Spread the love

لم تكن أبداً البدايات سهلة خاصةً عندما نصبح مشغولين بعدد ‏من القضايا التي لا يكاد يومنا أن يمر إلا ونحن نعيش ‏أصدائها و يعيشها معنا كل من يهتم بالواقع و تغييره و تقديم ‏محاولات جادة أو شبه جادة من أجل تغييره أو حتى رصد ‏وقائعه لتحليل العرض أو معرفة المرض فلعل يأتينا اليوم ‏الذي يملك فيه أحدهم العلاج الناجع للخروج من هذا النفق ‏المظلم الذي نعيش فيه كلنا كُلاً حسب رؤيته الخاصة‎. ‎

و ‏لكوني مهتماً بالواقع الإجتماعي و ما أصابنا جميعاً من ‏تغييرات سلوكية و فكرية و ثقافية، فقد اهتممت خلال ‏السنوات القليلة الماضية بمتابعة بعض ما يحدث في الساحة ‏الشبابية من تغيرات اجتماعية لعلي أصل إلى بداية المشكلة و ‏أسبابها و لعلي من خلال قراءات موازية أستطيع الاستفادة ‏من تجارب مشابهة بمناطق أخرى مرت بظروف مشابهة ‏أستطيع من خلالها تقديم مجموعة من الحلول التي قد تليق ‏بمجتمعاتنا أو قد تحتاج إلى بعض التعديلات ، أو حتى قد ‏أكون مخطئاً في جميع ما أقوم به و لكنها الأمانة هي ما ‏تجعلني مُكلَّفاً بنقل جميع ما توصلت إليه من نتائج داعياً من ‏الله أن تكون صحيحة فلعلها المنجية يوم أن ألقاه‎. ‎

أعدك ، ‏صديقي القاريء ، بأن السطور القادمة ستقودنا جميعها ، بإذن ‏الله، للوصول إلى واقعنا المعاصر و لكني أطلب منك بعض ‏الصبر فيما سأعرضه إليك من وقائع تاريخية مر عليها قرابة ‏سبعين عاماً هي بداية قصتنا و نقطة الإنطلاق التي يجب ‏ذكرها و عدم إهمالها في حديثنا المطول هذا‎. ‎

بداية القصة

بدأت القصة ‏بعدما أنتهت الحرب العالمية الثانية في القارة الأوروبية ‏بإعلان هزيمة التحالف بين الجيش الألماني النازي و سقوط ‏حلفائه بإيطاليا و اليابان و على يد تحالف المعسكرين الغربي ‏تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية و الشرقي تحت القيادة ‏السوفيتية الشيوعية.

فبفور انتهاء تلك الحرب الدموية بالقارة ‏الأوروبية، بدأت حرب أُخرى من نوع مختلف , تلك الحرب ‏التي كانت أدواتها ثقافية و فكرية و التي كانت بين المعسكر ‏الرأسمالي الأمريكي و المعسكر الشيوعي السوفييتي من أجل ‏الهيمنة الفكرية و الثقافية على العالم في شكله الجديد بعد ‏تفكيك جميع القوى القديمة و إعادة تنظيم مراكز السلطة ‏العالمية‎. ‎

ففي كتابها ” من الذي دفع للزمار – الحرب الباردة ‏الثقافية“، الذي تم إصداره في العام 1999، تحدثت الباحثة ‏الإنجليزية “فرانسيس سوندرز” عن الوصف التفصيلي ‏للطرق والأساليب التي استخدمتها وكالة الاستخبارات ‏المركزية الأمريكية‎ CIA ‎من أجل التأثير علي المنظمات ‏الثقافية و اختراقها عبر المجموعات الفنية و عبر المنح و ‏التبرعات التي كانت تقدمها المؤسسات الخيرية الأمريكية مثل ‏‏”فورد” و “روكفيلر”‏‎. ‎

ذكرت الباحثة في كتابها كيف قامت ‏وكالة الإستخبارات المركزية بإدارة المؤتمرات الثقافية، و ‏المعارض المتنقلة، و الحفلات الفنية من أجل الغرض ذاته و ‏كيف قامت بنشر و ترجمة أعمال الكتاب المعروفين بموالاتهم ‏لسياسة واشنطن و كيف أنها قامت برعاية الفن التجريدي ‏لمواجهة الفنون الأخري ذات الطابع الإجتماعي، و دعمت ‏المجلات العالمية التي تنتقد الماركسية و الشيوعية و السياسة ‏الثورية و كيف كانت تلك المجلات تقوم في منشوراتها ‏بتجاهل السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية‎.

‎كانت ‏وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية‎ CIA ‎قادرة – حسب ‏وصف مؤلفة الكتاب- علي تسخير بعض دعاة الحرية، ‏الليبراليين، الأكثر صخباً لخدمة سياسات الوكالة الي الدرجة ‏التي جعلت بعض هؤلاء يحصلون علي رواتب مباشرة من ‏الوكالة نفسها.

كان العديد من هؤلاء الكتاب الليبراليين ‏معروفين بعلاقاتهم و أعمالهم المشتركة مع وكالة ‏الإستخبارات الأمريكية ومن الكتاب الذين كانوا يتلقون تمويلاً ‏مباشراً أو غير مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية ‏الأمريكية ، إيرفينج كريستول ، و ميلفين مكارثي أما في ‏أوروبا فقد اهتمت الوكالة بدعم “اليسار الديمقراطي” من ‏الكتاب و المؤلفين أمثال مايكل جوسيلسن، و أرثر كوستلر، و ‏جورج أورويل‎. ‎

تساءلت سوندرز في كتابها عن هؤلاء ‏المثقفين الممولين من وكالة الاستخبارات الأمريكية و زعمهم ‏الجهل عند سؤالهم عن علاقاتهم بالوكالة  فإن كان جهلهم ‏حقيقة ، فكيف إذاً تجاهلوا في كتاباتهم جميع الجرائم التي قامت ‏بها الولايات المتحدة بجواتيمالا و إيران و اليونان و كوريا و ‏غيرها و التي أدت إلي موت الملايين ؟ ذلك التجاهل ‏الصريح ، حسب وصف سونندرز ، هو كافي للتأكيد علي ‏حقيقة كذبهم بشأن هذه العلاقات‎. ‎يقدم أيضاً كتاب “سوندرز” ‏معلومات مفيدة حول الطرق التي استخدمها المفكرين ‏الممولين من الوكالة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة ‏الامبريالية عبر منابرهم الثقافية.

فالكتاب يدحض المزاعم ‏القائلة بأن وكالة الإستخبارات الأمريكية والمؤسسات الصديقة ‏لها قد قدمت المساعدات بدون شروط و في هذا قدمت ‏سوندرز في كتابها الأدلة على أن “الأفراد والمؤسسات ‏المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية قد أدوا ‏دورهم كجزء من حرب دعائية‎.

‎كان المسار الثقافي الثاني ‏الذي سارت فيه وكالة الإستخبارات الأمريكية، بخلاف دعم ‏الكتاب و المثقفين، أنها عززت الفرق الموسيقية، والمعارض ‏الفنية، وفرق البالية، والفرق المسرحية، ومؤدي موسيقى ‏الجاز والأوبرا المعروفين بهدف تحييد المشاعر المعادية ‏للإمبريالية في أوروبا وخلق تقدير للثقافة الأمريكية ‏وحكومتها.

كان الهدف وراء هذه السياسة هي نشر الهيمنة ‏الثقافية لدعم الإمبراطورية الأمريكية الإقتصادية وكانت وكالة ‏الاستخبارات حريصة كل الحرص على إرسال الفنانين السود ‏إلى أوروبا، لا سيما المطربين والكتاب والموسيقيين، لتحييد ‏العداء الأوروبي تجاه السياسات المحلية الأمريكية العنصرية. ‏

كان يتم شطب كل من لم يتمسك منهم بالنص الفني المحدد ‏مسبقا أو من يقوم بتوجيه الإنتقادات الصريحة تجاه السياسات ‏الأمريكية، كما كان الحال مع الكاتب ريتشارد رايت‎. ‎

إحدي ‏المناقشات الهامة في كتاب سوندرز هي حقيقة أن وكالة ‏الإستخبارات الأمريكية وحلفائها بمتحف الفن الحديث قد ‏قاموا بدفع مبالغ طائلة من الأموال لتعزيز الرسم والرسامين ‏التجريديين كترياق للفن الاجتماعي فقد نظرت وكالة ‏الاستخبارات الأمريكية إلي التعبير التجريدي بكونه ‏أيديولوجية معادية للشيوعية. فالطبيعة غير الرمزية و ‏الصامتة لهذا النوع من الفن جعلته علي النقيض التام من ‏الواقعية الاشتراكية كما أن الوكالة قد رأته تعبيرا حقيقيا عن ‏الإرادة الأمريكية الوطنية‎. ‎

كان للعديد من مديري “متحف ‏الفن الحديث” علاقات تاريخية مع وكالة الإستخبارات ‏المركزية، وكانوا علي استعداد تام لتقديم يد المساعدة لتعزيز ‏الفن التجريدي كسلاح أيديولوجي خلال الحرب الثقافية مع ‏الشيوعية فقد قامت وكالة الإستخبارات الأمريكية بتمويل ‏عملية تنظيم معارض الفن التجريدي و حشد النقاد في جميع ‏أنحاء أوروبا.

وجهت الوكالة المجلات الفنية لنشر مقالات ‏للثناء علي ذلك النوع من الفنون و ضمنت الموارد ‏الاقتصادية المشتركة بين متحف الفن الحديث ومؤسسة ‏فيرفيلد، التي تديرها وكالة الإستخبارات الأمريكية ، من أجل ‏التعاون مع المعارض المرموقة في أوروبا والتي بدورها ، ‏كانت قادرة على التأثير في الجمهور في جميع أنحاء القارة ‏الأوروبية‎. ‎

و بهذا أصبحت وكالة الاستخبارات المركزية ‏ومنظماتها الثقافية من خلال خبرتها الواسعة أثناء الحرب ‏الباردة قادرة على إعادة تشكيل النظرة الشعبية العامة تجاه ‏الفن الذي كان، و لازال، سلاحاً ناجحاً من أجل التأثير على ‏المجموعات الشعبية لتغيير المفاهيم و الأفكار كما سنرى فيما ‏بعد‎.. ‎‏ تحياتي