Spread the love

لعل أكثر ما يحِنُّ إليه الفؤاد من ذكرى؛ ذكرى الحبيب الأوَِّلِّ. ولعل هذا ما جعل الشعراء والأدباء يُكثرون من وصف ما يلقونه من شوق وحنين إلى ذلك الحبيب الذي استقرَّ في الفؤاد حبه، وتمكنت ذكراه من القلب فلم تغادر حتى وإن حكمت الدنيا على المُتَحَابَّيْن بالفرقة، وطال عليهما أمد اللقاء، فإن للحبيب الأول مكانة في القلب لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص.

 

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأول منزل

 

وأنت إذ تمر حياتك أمام عينيك، لا بد أن يصيبك الحنين إلى منزلك الأول الذي شهد أيام صباك بكل ما فيها من جد وهزل وسعادة وحزن وكل ما جعلك الإنسان الذي أنت عليه الآن، ولكنك تنسى كثيرا حبيبك الأول الذي ملك فؤادك، فكنت لا ترى غيره أو تهتم بسواه ! ذلك الحبيب الأول الذي هو نفسك.

أول ما يحبه الإنسان من بشر في هذه الحياة الدنيا هو نفسه التي بين جنبيه، لأن الغريزة التي تكون متحكمة فيه بشكل كبير منذ ميلاده هي غريزة حب البقاء، فلأجل ذلك يصنع كل ما يستطيع لأجل سعادة وهناء نفسه. يمر الإنسان بأطوار كثيرة مختلفة متغيرة، لكن حبه لنفسه ثابت في داخله لا يخالطه شيء. نعم، قد تتغير رؤية الإنسان إلى الحياة ويرى أن هناك قيما تستحق التضحية بنفسه لأجلها، لكنه في الظروف العادية محب لنفسه، يحب لها الخير كما يحبه لأحبابه من حوله.

وما أطلبه منك من تذكر نفسك والحنين إليها كونها الحبيب الأول، ليس دعوة أنانية إلى ترك البذل والتضحية، بل هي دعوة إلى تذكر كيف كان حبيبك الأول عندما أحببته، كي يدفعك الحنين إلى التحلي بتلك المكارم التي كنتَ عليها يوما ما، وربما غفلت عنها حينما طال العهد بينك وبين نفسك الأولى التي كنتها.

الطفل البريء

ليكن حنينك إلى حبيبك الأول، ذلك الطفل صاحب الفطرة النقية التي لم تلوث بعد، فكان قلبه طاهرا جميلا، يرى الجمال في كل ما حوله، والحياة عنده بوابة للتجربة يتعلم منها الجديد كل يوم، فينام ملء عينيه بمعرفته الجديدة، ويصحو على أمل أن تأتي إليه شمس الصباح بسر جديد من أسرار الكون الذي لا يعرف منتهاه. وهو في ذلك لا يهتم بأمر رزقه إذ يأتيه بغير هم منه ولا إرادة، ويعرف أن ذلك الكون لا بد له من خالق ملأه بالجمال والخير الذي يجده عنده – بلا أي مجهود منه – في صورة أبيه وأمه ومن حوله من أقربائه الذي يغمرونه بالحب.

وبهذا الاعتقاد الناشيء يكبر ذلك الطفل البريء ، ويكبر معه اعتقاده، وتتكشف له من أسرار الحياة ما يجعله يعرف أنها ليست ملأى بالجمال وحسب، بل هي ملأى بالشر، ولكنه يعرف بفطرته أن ذلك الرب الذي رزقه ووهبه الجمال، هو القادر على أن يقيه من الشرور التي تحيط به، فيتعلق قلبه به في كل أموره التي تهمه.

ليكن حنينك إلى حبيبك الأول، ذلك الطفل الذي تعلم – قبل أن تلوث فطرته أدران الحياة – أن الحب يعني العطاء والمشاركة والمساعدة، فلا يبخل على أحد ممن حوله بشيء في ملكه، لأنه يحب أن يرى السعادة على وجوه من أحب، ولا يعرف كيف يكون أحد سببا في تعاسة أحبابه.

ليكن حنينك إلى حبيبك الأول، ذلك الطفل الذي لم توقفه الصعوبات أبدا عن تطوير نفسه وذاته، فلم يأبه بوقوعه الأول والثاني والثالث إذ يحاول الوقوف والسير على قدميه، ولم يبال بثأثأته وتعثر الكلمات على لسانه وهو يحاول أن يعبر عما يدور في صدره كما يفعل الكبار الذين من حوله. لم يأبه بتعسر محاولاته الأولى، ولم يبال بضحكات الساخرين من حوله لفشله، ووضع لنفسه هدفا وصمم على الوصول إليه؛ فوصل.

ليكن حنينك إلى حبيبك الأول، ذلك الناشيء الذي عرف ربه منذ صغره، لكنه بدأ يتكون إدراكه للطريق الذي يوصله إلى رضا ربه عنه، فبدأ يحمل نفسه على الصلاة والصيام برغم ما يلقاه في سبيل ذلك من مشقة، لكنه يعرف أن البدايات تكون صعبة، وأن عليه أن يتحملها لأجل نهاية جديرة بكونه إنسانا مستخلفا في الأرض.

” إذا ضللت في منتصف طريقك؛ عد إلى بدايته”

ليكن حنينك إلى حبيبك الأول، ذلك الشاب الذي بدأت رؤيته للحياة تتكون، وبدأ يرى فيما يراه أنه ينبغي أن يعمل لمستقبله، فاجتهد وثابر وصابر لينجح في دراسته، وليطور من مهاراته، ويترقى في عمله، وضحى في سبيل ذلك بالكثير من راحته وأوقات لهوه ولعبه التي ينخرط فيها أقرانه بغير حساب، ولكنه يعرف ما هو هدفه، ولديه رغبةٌ في الوصول إليه.

ليكن دائما حنينك إلى حبيبك الأول، أنت في بداياتك التي كنت فيها غاية في الجد والاجتهاد، في بداياتك التي كان فيها طريقك واضحا صريحا تعرف كيف تسلكه كي تصل إلى هدفك الذي ترغب فيه، في بداياتك التي تعرف فيها أنك صاحب إرادة وقدرة وتستطيع أن تقف أمام الظروف الصعبة وتتحدى كل العوائق لتصل إلى إنجاز تريده.

ليكن حنينك دائما إلى حبيبك الأول، فقد قال أحد الحكماء قديما: ” إذا ضللت في منتصف طريقك؛ عد إلى بدايته”. فإذا رمتك الحياة بشرورها وألقت بينك وبين هدفك العوائق والصعاب؛ عد إلى بدايتك وانظر إلى نفسك كيف تجاوزت ما هو أصعب منها ولم تضعف كما هو حالك الآن. وإذا شعرت في نفسك ببعض الفتور، عد إلى بدايتك وانظر كيف كان حماسك وأنت تبدأ هذا الأمر الذي تريد إنجازه. إذا شعرت بشك في وجود رب قادر وهب لنا الحياة لنعبده، عد إلى بدايتك التي كان فيها يقين لا يتزعزع بوجود ذلك الرب القادر. وإذا تكاسلت عن أداء أعمال البر، عد إلى بدايتك وتذكر كيف كنت تحمل نفسك على الصلاة والصيام والقيام والصدقة وبر الوالدين، وكيف كنت تهذب نفسك كي تصل إلى مكارم الأخلاق، حينها ستجد الطريق قد عاد واضحا أمامك، لتعود إلى سلوكه بنفس إرادتك التي كنت عليها في بدايته.