Spread the love

لم يَخْفَ على الجميع مقطع الفيديو للشيخ الفاضل (محمد حسين يعقوب) الذي تم ترويجه بين الناس بشكلٍ مُتَعَمَّدٍ خبيثٍ مثيرٍ للجدل -وسأبَيِّن أدلة ذلك-؛ ولكن في البداية أود أن أقول: إنني لستُ من أنصار الشيخ أصلاً، ولا أحب أسلوبه في المحاضرات والخطب، ولا أنتمي لمدرسته الدعوية، وأخالفه في مواقف عديدة، ولا أوافقه في أيديولوجيَّاته، وأخالفه في معظم آرائه الفقهية، ولكن مع كل ذلك؛ أقدره، وأحترمه، وأعترف بفضله على ملايين الناس الذين عرفوا طريق الله على يديه، وأشهد له بالتقوى والوَرَع والصلاح والإصلاح والغَيْرة على دين الله وكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأشهد له بحرصه الشديد على بيان صحيح السنة من ضعيفها, وأشهد أنه لا ينسب قولاً لغير قائله؛ أشهد له بكل ذلك ولا أزكيه على الله؛ أقول هذا إنصافًا لا دروشةً؛ لأنني -من الأساس- لَسْتُ من متابعيه كي أكون من دراويشه؛ وإنما الأمر كما قال المتنبي:

ولَمْ تَزَلْ قِلَّةُ الإنصافِ قاطعةً … بَيْن الرجالِ وإن كانوا ذَوِي رَحِمِ

فالإنصاف حقًّا عزيز!

أمّا بالنسبة لكلامه الذي انتقصه بسببه الكثير -ولاسيما من أبناء التيار الإسلامي للأسف!-؛ فهو كلام ليس كما صوَّره بعضُهم وهوَّله -لجهلهم وخبث طواياهم-، وإنما هو كلام بعضه فيه خطأ، وبعضه الآخر فيه أخذ وَرَد ولا يمكن -بأي حال- أن تجزم بخطأه فيه، ولكن شهوة التَّشَفِّي تصنع منك كَلبًا جائعًا وَجَدَ قطعة لحم؛ فأخذ ينهشها بغِلٍّ.

وتفصيل الأمر كما يلي

أولاً : تاريخ المقطع : هذا المقطع منشور على (يوتيوب) بتاريخ (15/7/2016م)، وعنوانه -بالنَّص-: (عيش مع اجمل وصف للحور العين ممتاز للشيخ يعقوب حفظه الله)، ومدته (10:23) دقيقة. والخطبة التي ذكرها الشيخ في بداية المقطع ونصح بسماعها هي خطبة عنوانها -بالنَّص-: (الشيخ يعقوب |( فالصو )| الخطب المنبرية)، ومدتها (54:59) دقيقة، وهي منشورة على (يوتيوب) على قناة الشيخ الرسمية بتاريخ (5/5/2013م)؛ وهذا يعني أن المقطع منشور على  (يوتيوب) منذ أكثر من سَنة، والخطبة منشورة على (يوتيوب) منذ أكثر من أربع سنوات؛ وهذا يعني أن ترويج المقطع -ومِن ثَمَّ الخطبة- أمرٌ مُتَعَمَّد ولأهداف خبيثة دفينة من الحاقدين بشتى انتماءاتهم وأديانهم، كما أن المقطع نشرته إعلامية مسيحية معروفة تخرج على قناة فضائية مسيحية، وهذه الإعلامية معروفة بكرهها الشديد للتيارات الإسلامية؛ نشرته على صفحتها الرسمية على (فيسبوك) بتاريخ (6/8/2017م)، وكَتَبَتْ في وصف الفيديو ما نَصه: (بيعمل للناس هلاوس وغسيل مخ رهيب، دا لازم يتحاكم على اللى بيقولة دة، خرافات متغلفة بصبغة دينية، للسيطرة على العقول). وبعد كل ما سبق؛ يأتي السؤال البديهي: ألَم ينتبه هؤلاء -المنتَقِصين المنتَقَصين- أن المقطع والخطبة بتاريخ قديم على (يوتيوب)، وأنّ مَنْ نَشَرَت المقطع على (فيسبوك) إعلامية مسيحية معادية للتيار الإسلامي برُمَّته؟! ألَم ينتبه هؤلاء أنهم ابتلعوا طُعمًا نَجِسًا؟! ألَم ينتبهوا أن هذا الطُّعْم خبيث المذاق؟! ألَم ينتبهوا أن هذا فَخّ للتناحر والمُشاتَمة بين بني الإسلام؟! أين هي حكمتهم التي يزعمون دائمًا أنهم أولى الناس بها؟! للأسف؛ أثبتوا للجميع أنهم أهل حماقة لا حكمة! وأثبتوا أيضًا أن أنصاف الرجال لا يعرفون إنصاف الرجال!

ثانيًا : لا أوافقهم في انتقادهم للشيخ إلا في موضع واحد فقط؛ وهو أنه -حفظه الله- نصح الرجل أن يطلق امرأته إذا ذَهَبَتْ لتاجر الذهب وَحْدَها. وفي الحقيقة هذه مبالغة شديدة منه في هذا الأمر؛ لأن هذا سيفتح باب الشك -على مصراعيه- بين الأزواج، كما أن الخيانة قد تحدث مع أي أحد وليس مع تاجر الذهب فقط؛ فلا أرى أي وجاهة لرأيه في هذه القضية، ولكن في النهاية لا يليق أبدًا أن يهاجموا بهذه الوحشية وقلة الأدب ذا الشيبة المسلم العالِم الداعي لدين الله الذائد عن سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

ثالثًا : انتقادهم أنه نسب قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: “إذا أعجبتْ أحدَكم امرأةٌ؛ فلْيَذْكر مَنَاتِنَهَا” إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ والإشكال في انتقادهم أنهم اتهموه بتعمد نسبة قول ابن مسعود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الانتقاد من أكثر الأشياء دلالةً على غبائهم وحماقتهم وجهلهم بفن النقد؛ لسببين: السبب الأول: أنه لا أحد من البشر معصوم سوى الأنبياء، ولا يوجد أبدًا ما يمنع أن يكون هذا الخطأ بسبب زلة لسان منه -حفظه الله-، وكلنا يعترينا هذا النقص والعيب؛ فأنا أذكُر أنني في رمضان الماضي خطبتُ خطبةً تكلمتُ فيها عن أحكام الصيام، وقلتُ فيها إن الحُقْنة المغذية تفطر الصائم، مع أن مذهبي هو أن الحقن بكل أنواعها -مغذية أو غير مغذية- لا تفطر الصائم، وبعد الصلاة أوقفني أحد الحاضرين وأخبرني أنني قلت إن الحُقْنة المغذية تفطر الصائم، فتعجبتُ كثيرًا! وقلت: سبحان الله؛ لا يسلم من الخطأ وزلة اللسان إلا الأنبياء! فكون الشيخ قد نسب قول ابن مسعود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ هذه زلة لسان وارد حدوثها، ولا تُعَد منقصة في حق الشيخ، ولا يستدعي الأمر كل ما كتبوه في هذا الشأن. السبب الثاني: أنهم يعلمون جيدًا أن الشيخ -حفظه الله- من أحرص الناس على حفظ سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويعلمون جيدًا أن هذا خطأ غير مقصود بتاتًا، وأنه حريص على نسبة كل قول لصاحبه -ولاسيما كلام رسول الله-.

رابعًا : انتقادهم لذِكره لفظ (مناتن) في قول ابن مسعود -رضي الله عنه-، وأن الشيخ بذلك ينتقص المرأة ويحط من قدرها؛ حيث كتبتْ إحدى الثائرات ضده -بالنَّص-: “لا تسمحوا لشيخ مهما كان أن يحط من قدر المرأة أمامكم بحجة انه يرغبكم في الحور العين ويساعدكم على غض البصر، مَن وصفهن الشيخ بالنتانة هن من أزلن النتانه عن كل رجل على سطح الارض وهو رضيع بكفوفهن (قبل وبعد البامبرز)، فلكل رجل أم ولدته من موضع وصفه الشيخ للأسف بالنتانة في محاضرته!…وكأن الرجال يخرجون من أنوفهم عسلا مصفى والنساء لا! وكأن بين أصابع أقدامهم يخرجون غزل البنات والنساء لا! الكل يعرق يا فضيلة الشيخ وكل منا يستيقظ ورائحة فمه لا تطاق…فلم تلك الطريقة في الدعوة!!”.

وغيرها قد كتبوا الكثير والكثير من الانتقادات الكسيحة الفارغة، التي تحمل في ثناياها الجهل بالواقع وبمقصود الشيخ وبما هو معلوم بالضرورة لدى العقول الناضجة -التي يزعمون أنها من سماتهم-، فهم ينتقدون من أجل النقد فقط!

كيف فهموا من كلام الشيخ عن مناتن المرأة أنه يستثني الرجل من تلك المناتن، وأن المناتن كلها تصيب المرأة ولا يصيب الرجل منها شيء، وأن الرجل لا يشترك مع المرأة في تلك المناتن -باستثناء ما هو مخصوص للمرأة فقط-؟!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه لا يُقِرُّ بالفطرة البشرية التي قد كتبها الله على بني آدم كلهم -ذكر وأنثى- ولم يُستَثْنَ منها أحد حتى الأنبياء؟!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه يزدري الأمهات ويستقذر موضع خروج الولد؟!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه يثبت خروج العسل المصفى من أُنوف الذكور دون الإناث؟!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه يثبت خروج غزل البنات من بين أصابع أقدام الذكور دون الإناث؟! ولكن يبدو أن فضيلة الدكتورة متأثرة بكتابها (غزل البنات)!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه يثبت العَرَق للإناث دون الذكور؟!

وكيف فهموا من كلامه عن مناتنها أنه يدعو الشباب للترهْبُن واعتزال الزواج بالكلية، وأن يطمح الرجل إلى الزواج من حورية في الجنة؟!

وكيف فهموا أن كلامه هذا سيصنع مرضى نفسيين، وأن الرجل إذا اتبع نصيحته؛ فسيرى زوجته كتلةً من المناتن؟!

أيُّ فهم هذا الذي فهموه؟!

ألَم يعلم هؤلاء -الذين يزعمون أنهم يفهمون كل شيء- أن الرجل يستقذر مناتن المرأة -والعكس- قبل الزواج، وبعد الزواج يختلف الأمر تمامًا، مع الوضع في الاعتبار أن مسألة الاستقذار بين الزوجين مسألة نسبية يحكمها زمان ومكان نشأة كليهما، ويحكمها أيضًا مقدار حب كل منهما للآخر، ويحكمها أيضًا طبيعة الشخص نفسه؛ ولكن في النهاية سيظل الزواج هو هادم حواجز الاستقذار بين الرجل والمرأة، وبدونه فالفطرة السليمة تأبى ألا يستقذر الرجل مناتن المرأة -والعكس-! ألَم يعلم هؤلاء أن الاستقرار العاطفي بين الزوجين؛ يجعل الرجل يرى زوجته حورية من حوريات الجنة ولا يستقذر منها شيئًا أبدًا؟!

خامسًا : انتقدوه لأنه أوصى أحدَ مَنْ يعرفهم بعدم الزواج من فتاة نالت درجة (الماجستير)؛ لأنها بذلك تكون قد تعاملتْ مع آلاف الرجال. فكتبتْ إحدى الثائرات ضده -بالنَّص-: “قال الشيخ أيضا في محاضرته وهو يحكي عن شاب يستشيره في الزواج من فلانه الطالبة الجامعية فإذا به ينتقدها قائلا انها خلال فترة تعليمها لابد أنها رأت الرجال وتعاملت معهم فلماذا يتزوج من فتاة خرجت للرجال!! لا حول ولا قوة إلا بالله! ما هذا المنطق القميء! وماذا عن الشباب الذين يخرجون وعيونهم مفتوحة هنا وهناك…لم لا يطبق هذا عليهم؟لم يكن هذا حال الصحابيات! من أين اتيت برأيك؟”.

ألَم يعلم هؤلاء أن طبائع الرجال مختلفة، وأن من الرجال مَن يقبل ذلك ومنهم مَن لا يقبل؛ لشعوره بالغَيرة من هذا الأمر؟! وفي النَّسَق نَفْسه؛ ألَم يعلم هؤلاء أن من الرجال مَن يقبل بالزواج من مُطَلَّقة أو أرملة -للسبب نَفْسه- ومنهم مَن لا يقبل؟! بل إن منطقكِ أنتِ هو المنطق القميء!

ألَم يعلم هؤلاء أن انفتاح الرجل في المجتمع يختلف عن انفتاح المرأة؟!

ألَم يعلم هؤلاء أن من الرجال مَن لا يرضى بعمل زوجته؛ لأنه يغار عليها؟! هل من الممكن هنا أن نقول -إذا طبقنا منطقكِ القميء-: ولِمَ لا تمنع أيضًا الزوجةُ زوجَها من العمل لأنها تغار عليه؟! هل يستويان مثلاً؟! الحمد لله؛ بل أكثرهم لا يعلمون!

وما الذي أدخل الصحابيات في انتقادها؟! إدخالها الصحابيات في انتقادها؛ يعني أن الرجل ليس من حقه أن يرفض الزواج من أي صحابية -رضي الله عنهنَّ-، ورفضه هذا يُعَدُّ مَطْعَنًا في إيمانه؟! وهل -يا فضيلة الدكتورة- كل الصحابيات يصلحنَ للزواج من كل الرجال؟! فقد يجد رجل صحابيةً ولا ينشرح صدره لها، وقد يجد فتاةً في القرن الحادي والعشرين وينشرح صدره لها، فما المشكلة؟! وما علاقة الصحابيات بموضوعنا يا فضيلة الدكتورة؟! أم أن كتابكِ (كوني صحابية) سيُضَيِّقُ على الرجال سِعَة الشريعة الغَرَّاء؟!

 أيُّ فهم هذا الذي فهموه؟!

وللأسف؛ لم ينتقدوه بجهلهم وكُسَاح فهمهم وقلة أدبهم فَحَسْب؛ بل تعدى الأمر إلى أنّ نقدهم هذا جرَّأ أحد الفُسُول على عمل فيديو يسخر فيه من الشيخ -حفظه الله-، ولم يكتفِ هذا الفَسْل بالسخرية من الشيخ؛ بل إنه تكلم بالكُفريات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إن هذا الفيديو نُسِبَ إلى قناة فضائية مشهورة محترمة؛ فأخذوا ينتقدونها، ثم بعد ذلك أخرجت القناة بيانًا رسميًّا ينفي نسبة الفيديو إليها؛ ثم أخذوا بعد ذلك يعتذرون للقناة!

لِمَ كل هذا التخبط؟! ولِمَ كل هذه الضغائن التي تُكِنُّها صدوركم؟! ماذا جنينا من نقدكم إلا إنه جرَّأ السفيه على التطاول والنَّيْل من الشريف! لماذا تظهرون للناس اختلاف وتَشَرْذُم الأمة؛ فتُشْمِتون بنا أعداء الله؟!

ألَم يكْفِ هؤلاء فَوْح رائحتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرهم الفتاوى النَّسَوية الشاذة التي يستجلبون بها الفتيات المخدوعات؟! {أوَلاَ يَرَوْنَ أَنهم يُفْتَنُونَ فِي كُل عَامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذََّكََّرُونَ}؟!

والشاهد من كل ما سبق؛ هو أنني لا أدَّعي العصمة للشيخ -ولا لغيره حاشا الأنبياء- من الخطأ؛ لأنه بشر، ولأن العصمة دُفِنَتْ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنني -مع اختلافي مع الشيخ في أمور كثيرة- أنتقد انتقاصهم وأسلوبهم في انتقادهم له، وأنهم لم يعملوا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ …”، وأنتقد أن يرى العالَم أجمع هذا التناحر بين أبناء الأمة؛ مما سيجعل مَن يريد سلوك طريق الله يعدل عنه لخوفه من التشبه بهم، ومما سيجعل أيضًا أعداء الإسلام يَسْخَرون منا، وكلما ألقوا إلينا طُعْمًا ابتلعناه!

اتقوا الله فيما تعلمتموه، ولا تَفَرَّقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تَفَرَّقوا فتُجَرِّئوا أعداء الله علينا؛ ورحم الله شوقي حين قال:

وإذا فَرَّقَ الرُّعاةَ اختلافٌ … عَلَّموا هاربَ الذئابِ التَّجَرِّي