Spread the love

نقلاً عن مجلة كلمة حق

مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما وهو يلعب مع رفاقه من الصبيان، فأسرعوا يلوذون بالفرار هيبةً لعمر بن الخطاب رضي الله وإجلالًا له، في حين ثبت عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، ولزم مكانه، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما لك لم تفر معهم؟ فقال عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: “لم أجرم فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقة فأوسع لك”(1).

النفس السوية الشجاعة التي واجه بها ابن الزبير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لم تكن وليدة اللحظة، بل نتجت عن عملية غرس ورعاية لمعاني الكرامة وعدم الخنوع في شخص عبدالله بن الزبير، فأثمرت ذلك الموقف الشجاع، في حين قحطت بها نفوس أقرانه من الأطفال.

وعلى تلك الثمرة المنشودة يجب أن نربي أبناءنا ونغرس فيهم تلك المعاني ليستعلي بنفسه على الدنايا والسفاسف ويطالب بحقه بلا وجل أو خوف، ويرفض الظلم أينما حل ويثور عليه، وتُبنى شخصيته على المبادئ والقيم، لا ترتبط بمصالح أو أعطيات، وتتمركز شخصيته مع الحق تدور معه حيث دار بوضوح وثبات.

ولكي نخرج أمثال عبدالله بن الزبير علينا

أولًا : أن نبدأ في الغرس الإيماني المبكر، والعناية بمسألتي القضاء والقدر والرزق؛ لأن أغلب من يخنع يفعل ذلك لهذين السببين، فإما خائفًا على رزقه يخشى الفقر والتضييق، أو يظن أن الخنوع سيسلم به من قضاء الله المحتوم وستأتيه السلامة، ويدحض هذا كله تربية الابن على تلك الركيزتين عن طريق الشرح المبسط لآيات القرآن مثل أواخر سورة لقمان والذاريات، وأحاديث النبي المتعلقة بذلك أيضا مثل حديث: “يا غلام إني أعلمك كلمات…”. لابن عباس لما كان رديفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما يمكن إعطاؤه أمثلة عملية عن طريق المواقف المفتعلة المرتب لها سلفًا، أو سرد القصص التي تغرس تلك القيم والمبادئ في نفس الولد.

فقصة سيدنا ابراهيم كل مواقفها تغرس قيمة التعلق بالله وعدم إلقاء كامل الاعتماد على الأسباب المادية ونسيان مسبب الأسباب، فشجاعته بمواجهة النمرود ومحاججته له، ومن قبلها مواجهة والده بالأدب والدماثة، ومواجهة قومه بالمنطق والعقل، وبناؤه لبيت الله، وتركه لزوجه وولده في الصحراء، وخروج بئر زمزم من أجلهم، وإلقاؤه في النار التي كانت بردًا وسلامًا عليه، كل تلك المواقف تبني في ذهن الولد جسور التعلق بالله وعدم الاتكال بالكامل على الأسباب المادية؛ مما يجعله شجاعًا مقدامًا لا يهاب مواجهة الظلم، ومدركًا أنه سائر في فلك قدره الذي قدره الله له.

وكي نثبت تلك الركيزتين في مكانهما الصحيح في نفس الطفل، يجب أن يكون الغرس بشكل مبكر فتكون له مثل المناعة ضد أمراض الخنوع والجبن، فكما قال الأستاذ عدنان باحارث في كتابه (مسؤولية الأب المسلم) إن الطفل يتعلم في سنواته الأولى أكثر بكثير مما يتصوره الآباء، وإن العادات يمكن اكتسابها بسهولة كلما كانت سنه أصغر، فإن 90% من العملية التربوية تتم في السنوات الخمس الأولى. (وهذا أيضًا ما أكدته الدراسات والبحوث بأن الأساس الأول للضمير الإنساني خلال السنوات القليلة الأولى من عمر الطفل)(2).

ثانيًا : فإن ضمان عدم الاستبداد داخل المجتمع يأتي من إصلاح الأفراد وتربيتهم على العزة والكرامة والثقة بالنفس؛ لأن الأسرة هي المُركب الأساسي للمجتمع، ومن مجموعها تتشكل الدول والمجتمعات، وهي صمام أمان العدل؛ لأن الثورة على الظالم وإنصاف المظلوم لا يأتي إلا من شخص مستقل الشخصية شجاع لا يخشى في الله لومة لائم، وممارسة الطغيان الأسري من صياح وضرب وقمع للآراء وسلب الثقة بالنفس، يحطم فضائل النفس، ويكرس فيها الصفات السلبية، مثل الجبن والخنوع، ويغرس فيها طباع العبيد!

ومن الممكن أن نستعين بالكثير من الوسائل التي تغرس في نفوس أبنائنا تلك المحامد، مثل رواية القصص التي تتحدث عن الشجاعة والإقدام، ونصرة المظلوم، وانتصار الخير على الشر لهم، والابتعاد عن قصص الرعب والتخويف، وتعليمه استقلال الشخصية وإكسابه الثقة، من خلال الاعتماد على نفسه وإسناد المهام إليه، والتجاوز عن بعض أخطائه في طريق اعتماده على نفسه، بالإضافة إلى تعويده على الشجاعة الأدبية ومواجهة الناس بالتحدث، من خلال تكليفه أمام إخوانه أو أصدقائه بإلقاء كلمة أو إدارة جلسة، وإبداء الحرص له على سماع رأيه في المواضيع المختلفة، حتى لو قال كلامًا ليس معتبرًا، كما يجب أن يتحلى الآباء أنفسهم بالشجاعة وحسن التصرف في المواقف أمام أبنائهم؛ كي يقتدوا بهم؛ فإن المواقف العملية أبلغ كثيرًا من الكلام النظري كما قيل: فعل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل لرجل). كما يجب التوضيح للولد أن الشجاعة ليست مرادفًا للتهور؛ لكي ينضبط عنده الميزان، ويحرص على سلامته، ولا يرمي نفسه في التهلكة بدعوى الشجاعة وعدم الخنوع.

وكما أشرنا أن من الأمور المعينة أيضًا على تربية الولد على معاني الكرامة والعزة، الابتعاد عن الضرب والإهانة والصياح في كل صغيرة وكبيرة، فالأبناء يتفاوتون في طرق الإرشاد، منهم من يصلحه الهجر، ومنهم من يصلحه الزجر، ومنهم من يصلحه التلميح فقط، ومنهم من يصلحه الضرب وهم قليل، ولكن كما أنها وسائل للإصلاح فيجب أن تتأطر ضمن إطار الإصلاح دون خسائر بدنية أو نفسية، “فالعقوبة في سياق التربية أشبه (بالتحويلة) نخرج فيها عن الطريق لنعود إليه بعد انتهائها، وكلما كانت التحويلة أقصر وأنجح كان ذلك أفضل)(3). فيجب أن يلجأ الوالدان لتلك الوسائل بعد استنفاذ جميع الوسائل التأديبية الأخف منها، كما يجب في حالة اللجوء إليها ألا يعاقب الولد أمام إخوانه أو أمام أشخاص آخرين، كما يجب ألا يكون بشكل مُهين وينقص من قدر الولد ويسلب منه ثقته بنفسه، وكل ذلك يستطيع المربي فعله باستحضار أن هدفه تعديل السلوك وليس التشفي.

الأمر الثالث الذي نود الإشارة إليه هو التربية الفكرية السليمة، وبمعنى أدق المحافظة على الفطرة السليمة التي تميز الظلم عن العدل، وتميز بين المروءة والخسة، والحفاظ على فطرة الطفل خاصة الذي يعيش في مجتمع يئن من الاستبداد؛ فـ”ليس أشد إفسادا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة”(4).
وانتكاس الفطَر التي لا تنكر منكرًا ولا تعرف معروفًا هو نفسه سبب رئيس في استبداد الحكام.

وبما أن الدول المسلمة تتعرض للاستبداد على مدى مئات السنين، فقد فسدت ويا للأسف فطر الكثير، وظهر ذلك جليًّا في ثورات الربيع العربي وما تبعها من انقلابات وثورات مضادة، فيجب على الوالدين تحصين الأولاد بالتربية الفكرية السلمية التي تحفظ عليهم نقاء فطرتهم، التي هي ميزان الحق لأي إنسان سوي، عن طريق النقاش في أمور الأمة وتوعية الطفل بشكل دائم بما يجري حوله من مجريات سياسية حول العالم بالطبع بما يتناسب مع سنه، لأن بذلك تتكون عنده أرضية فكرية صلبة يستطيع من خلالها اتخاذ القرار السليم الذي يميز به الظلم من العدل، ولست أنسى مقولة صديقي إن توعية والديه له بجرائم حسني مبارك ومشاهدته الدائمة معهم للأخبار ومتابعة فساده وفساد حاشيته =كانت لها فضل كبير عليه وقت الثورة حيث إن فطرته السلمية أرشدته فلم يتأثر بفتاوي الخنوع والورع البارد التي أثنت الناس عن الخروج محاولةً شرعنة الظلم والاستبداد.

من الأشياء المعينة أيضًا على التربية الفكرية السلمية توعية الولد بتاريخ أمته وحضارته العظيمة التي ينتمي إليها، وتأصيل تاريخ العداوة بين الإسلام والكفر وتوضيح أصل الصراع له، ولست أنسى قصة صديقي أيضًا الذي حكى لي تأثير المجلات الإسلامية التي كان يحضرها والده في البيت عليه، وكانت تحوي مشاهد من مذابح البوسنة والهرسك عام 1995، وكيف أن تلك المشاهد أشعلت عنده جذوة الاهتمام بالعالم الإسلامي ومعرفة تاريخ الصراع، وهذا آخر يحكي عن تأثير قصص والده عن الأندلس وسقوطها وقراءته عن محاكم التفتيش التي أقامها الأسبان للمسلمين في الأندلس، وكيف أنها كانت حافزًا كبيرًا له لمعرفة تاريخ المسلمين وتأصيل مسألة العداء بين المسلمين وغيرهم من الأمم. وهذه التوعية تمنح الابن أو البنت أيضًا مناعة من الافتتان بالغرب، عندما يعرفون تاريخهم الدموي وحقيقة تقدمهم الذي قام على نهب ثروات الأمم الأخرى وإبادتها بأبشع الطرق، هذا التقدم المتجرد من الإنسانية مع الغير.

وقد يهيأ للبعض أن أبناءه قد لا يستوعبون ذلك الكلام أو أنه يفوق مرحلتهم العمرية، وبالطبع التوجيه الذي أشرت إليه لم أقصد أن يكون قبل مرحلة إدراك العالم والدول، وإدراكه لمعاني الظلم والعدل لكي يستوعب تلك الأمور، بالإضافة أن لكل مرحلة عمرية أسلوبها في توصيل المعلومات كما أشرنا، فصاحب العشر سنين يختلف عن ابن الثانية عشر، مختلف عن ابن السابعة عشر، زد على ذلك أن لكل شخصية طرقًا مفضلة في توصيل المعلومة لها، وهذه مهمة الأبوين لأنهم أدرى بما يناسب أبناءهم، والدليل الأكبر على خطأ تقديرنا لعقول ومستوى استيعاب أولانا مفاجئتهم لنا بكثير من الأسئلة التي تربكنا وتجعلنا نوقن أن الولد أذكى مما نتوقع!

ختاما يقول الله عز وجل: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] قال أهل التأويل: “أي لا ترضوا بأعمالهم، أو لا تميلوا لهم فتمسكم النار”. وهذا يوجب على كل مسلم رزقه الله الولد أن يربيه/ يربيها على قيم العزة وعدم الخنوع، وإنكار الظلم، للنجاة من النار؛ استجابة لأمر الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج3 ص407.
(2) مقال للدكتورة ليلى كمال الدين على موقع gulfkids.com.
(3) عبد الكريم بكار، القواعد العشر ص111.
(4) في ظلال القرآن، سيد قطب، ج1 ص73