Spread the love

يعد مالكولم إكس أو الحاج مالك شباز رمزا للكفاح الأسود في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ضد العنصرية البيضاء، والذي بنضاله واستمراره في دعوته نال الكثير من الأمريكان الأفارقة الأصل حريتهم وتحررهم من الجحيم الفصل العنصري وعدم المساواة والاستغلال.

تعتبر حياة مالكولم إكس في منتصف القرن الماضي ونضاله عن الأمريكان السود تجربة تستحق الدراسة فكلها سلسلة من التحولات حيث انتقل من وحل الجريمة والانحراف إلى قاع التطرف والأفكار العنصرية لما لاقاه من عداوة على أيدي البيض، ثم تحول إلى الإسلام داخل سجنه، وحتى في إسلامه شهد تحولات من فهمه للإسلام بشكل خاطئ إلى الفهم الصحيح بعد رحلته للحج بمكة.

يعد مالكولم إكس رمزا في حياة كل أمريكي أسود لا سيما المسلمين منهم، وقد كتب مالكولم مذكراته التي طبعت في أمريكا ما يقارب أربعين طبعة، وقررت كمادة دراسية في أقسام دراسات الأقلية السوداء بالجامعات، وكانت مصدر إلهام لبعض الرؤساء الأمريكيين مثل باراك أوباما.

في عام 1946 م في نيويورك ألقي القبض على مالكوم إكس وصديقه (شورتي) بعد تورطهما في عملية سرقة باءت بالفشل، وحُكم عليه بعشر سنوات قضاها في سجن الولاية(تشارلستون)، وكان مالكوم يتفاخر بسجله الإجرامي حتى التقى بمسجون يدعى (بيمبي) والذي أدهش مالكوم بثقافته وحسن اطلاعه فكان يقول: (كنا نتحلق حوله ونستمع إليه بشغف شديد وهو يتكلم في مواضيع غريبة كلام متضلع، فكان حتى السجناء البيض ينضمون إلينا رغم ترفع البيض عن الاستماع لآراء السود، وليس هذا وحسب بل إن الحراس أيضا كانوا يحومون حولنا ويصيخون السمع)،[1]كانت تلك الشرارة التي أشعلت جذوة الثقافة عند مالكوم وصار ثائرا ملهما لجميع الأمريكان البيض والسود على حد سواء.

بعدها انهمك مالكوم في تعويض ما فاته من الدراسة التي فاتته بعد أن ترك المدرسة في المرحلة الثانوية، يقول مالكولم ( كان مستواي الدراسي هو الثالثة من الثانوي وكنت قد نسيت في الشارع كل ماتعلمته في المدرسة حتى اصبحت لا أعرف الفرق بين الفعل والمنزل!، وكانت أختي هيلدا قد كتبت لي رسالة اقترحت علي فيها أن آخذ دروسا في الإنجليزية والخط بعدما وجدت صعوبة في قراءة بطاقات بريدية بعثت بها)[2]، وضع مالكوم يده على الداء الأول وهو تحسن خطه وإملاءه ولم يغامر بدخول لمستوى عال من الثقافة فيحبط ويترك الأمر بالكلية!.

بدأ مالكوم في المستوى الأول وهو تحسين خطه وإملاءه وتكوين حصيلة كلمات تفيده لدخول المستوى القادم فيقول : ( ثم خطر لي أن ألجأ إلى المعجم لتعلم بعض الكلمات وأن أواظب على تحسين خطي الذي لم يكن رديئا وحسب بل كان أيضا يزيغ عن الخط المستقيم بشكل شنيع فذهبت إلى مدرسة السجن وطلبت معجما ولوحا وبضعة أقلام وانزويت في الزنزانة وقضيت يومين في تقليب أوراق المعجم على غير هُدى، وأذهلني عدد ما يحتويه من كلمات فاحترت ولم أعرف من أين أبدأ ثم شرعت لمجرد أن أشرع في شيء أنسخ الصفحة الأولى بجهد جهيد وخط مخلخل، نسختها على اللوح بنقطها وفواصلها واستغرق ذلك يوما كاملا، وفي الأخير قرأت على نفسي ما نسخته بصوت عال ومرارا وتكرارا.

واستيقظت في اليوم التالي مزهوا فوجدت ذكرى تلك المفردات في رأسي . سرني انني كتبت كل تلك الكمية من الكلمات التي لم أكن أعلم بوجودها وأنني تذكرت وإن بجهد معاني أكثرها، وسرني عملي فهجمت على الصفحة التالية فما بعدها حتى انتهيت من باب حرف الألف، كنت مع صفحة جديدة أتعلم المزيد عن الأماكن و الأعلام والأحداث، إن المعجم دائرة معارف صغيرة.

وتحسنت سرعتي فانتقلت إلى حرف الباء وهكذا حتى نسخت المعجم بأكمله خلال مدة المتبقية لي في السجن، أي ما لايقل بغالب ظني عن مليون كلمة بما فيها الرسائل)[3].

بعد تلك الفترة قد تمكن مالكوم إكس من صياغة الخطابات لأخوانه ولبعدهم لمحمد إلايجا زعيم تنظيم أمة الإسلام الذي أسلم على يديه في أول الطريق، فيقول : (ودفعت بي الحاجة لكتابة تلك الرسائل إلى اكتساب شيء من الثقافة بوسائلي الخاصة) [4].

انتقل مالكوم بعد تلك المرحلة إلى التي تليها وهي القراءة فيقول : ( وأصبحت قادرا على أن أفتح كتابا وأفهم ما فيه فأقبلت على القراءة بنهم شديد وأصبحت لا أرى إلا وفي يدي كتاب ولم تعد هناك قوة على وجه الأرض تستطيع أن تنزعني منه وفتحت لي القراءة أبواب عجيبة). [5]

ويقول أيضا : (وعندما بدأت أفهم ما أقرأه وانفتح لي ذلك العالم الجديد، بدأت بدوري ألتهم الكتب وأستعير فوق ما يسمح به قانون المكتبة وأقرأ أكثره الزنزانة)[6]

كان مالكوم رحمه الله صاحب همة وحماس حتى في مرحلة ما قبل إسلامه فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (تجدون الناس معادن ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) ، فكان من همته يقضي أغلب يومه في القراءة وتشكيل ثقافته فيقول : (كان يثير سخطي انطفاء الضوء في العاشرة مساء .. وكان في الممر لحسن حظي مصباح قريب من باب زنزانتي فبدأت أجلس على البلاط وأقرأ بعدما تتعود عيناي على ضوئه الخافت ، حتى إذا ما سمعت خطى الحارس وهو يمر بالزنازين على رأس الساعة قفزت بسرعة إلى سريري وتظاهرت بالنوم إلى أن يمر فأعود إلى مكاني وأواصل القراءة وأواصل قراءتي حتى الثالثة أو الرابعة من صباح كل يوم بحيث لا أنام إلا ثلاث أو أربع ساعات في الليلة ولكن ذلك لم يكن مهما لأنني كنت قد تعودت على قلة النوم وأنا في الشارع)[7].  ويقول أيضا: ( وعلى كل حال لم يكن هناك فيما يخصني إلا السجن لتوفير جو يساعدني على مكافحة جهلي والتصدي له بالدراسة المستفيضة التي كانت تستغرق أحيانا، خمسة عشرة ساعة في اليوم).[8]

لم يكتف مالكوم بالقراءة العشوائية بل اهتم بتكامل ثقافته وبدأ يكون أرضية في كل مجال فكري ثم تعمق بقوة في تخصصه والمجال الذي ناضل واستشهد من أجله (قضية السود) أو حقوق الأمريكان من الأصل الأفريقي، فقرأ في تاريخ الحضارات وفي الفلسفة الغربية والشرقية، وفي الأديان والعلوم البيولوجية، وقرأ في السياسة والأدب، وتعمق بقوة في القراءة داخل قضيته وهي معرفة أصل الأمريكان السود فبقول : ( وعثرت على كتاب أرواح القوم السود لدبوا الذي أعطاني فكرة عن التاريخ الزنجي لكارتيير وودسون الذي فتح عيني الإمبراطوريات السوداء والصراعات الزنجية الأولى من أجل الحرية .. وقرات هيرودوتس أبا التاريخ وقرأت تاريخ الأمم .. وقرأت كتاب قصة الحضارة الشرقية لويل ديورانت وتقارير المهاتما غاندي عن كفاح الهند. لإخراج البريطانيين.)[9].

أغلب قراءات مالكوم كانت بدافع إثبات فكرة شيطنة الرجل الأبيض فكان يقول : (إن الجرائم والآثام التي ارتكبها الرجل الأبيض في حق الإنسان الأسود منذ جاء به إلى أميركا، والدماء التي لطخ بها يديه كما ورد في كتاب فريدريك أولمستد لشيء لا يصدقه عقل) ، وقال أيضا : ( وكنت أخرج من كل واحد من هذه الكتب بمزيد من الدلالات على أن الرجل الأبيض استغل شعوب الأرض أجمعها أسودها وأسمرها وأحمرها وأصفرها على حد سواء).وكان من شدة نهمه في القراءة والبحث وإيمانه بقضيته بدأ يبحث في قضايا متعمقة مثل هل المسيح عليه السلام كان أسمر اللون أم أبيض؟! ، هل كان أول إنسان مخلوق على وجه الأرض أبيض أم أسمر؟ ، وبذلك استطاع مالكولم هضم أغلب المعلومات التي تخدم قضيته حتى حان وقت الخروج من السجن وقد تشكلت أغلب ثقافته داخل سجنه، ومضى في مسيرة نضاله حتى اغتيل في عام 1965 وهو يخطب في مريديه في منطقة هارلم بنيويورك.

هكذا شكل مالكوم إكس ثقافته بعد ما كانت شبه معدومة بسبب حياة الإنحراف التي كتبت عليه بعد موت أبيه وتفرق أسرته ، المميز فيها أنه مشى في طريق تشكيل تلك الثقافة بمرحلية و بتأن ودون تحميل نفسه فوق طاقتها، كما أن المميز أنه كان يستغل كل وقته حتى بعد خروجه من السجن كما يقول : (وبالفعل ما زلت لا أركب الطائرة إلا وبين متاعي اليدوي كتاب أريد أن أقرأه وهذا يعني أنني قد قرأت في الطائرة وحدها عددا هائلا من الكتب. ولم أكن أخوض حربا ضروسا ضد الرجل الأبيض لأمضيت بقية عمري في القراءة وإشباع رغبتي في المعرفة، ومن هذه الناحية لا أظن أن هناك شخصا استفاد من السجن كما استفدت انا منه، ذلك أنني لم أكن لأتعلم في الجامعة قدر ما تعملته في السجن).[10]

توج مالكوم تلك المسيرة الثقافية بإخلاصه لهدفه بأنه ما كان يتعلم ذلك العلم من أجل الشهرة أو الصيت ولا تقلد المناصب -بالرغم من نيلها بعد ذلك –  ولكن فقط من أجل بناء ثقافته وتعلمه فيقول :  (لقد غيرت القراءة مجرى حياتي تغييرا جذريا ولم أكن أهدف من ورائها إلى كسب أية شهادات لتحسين مركزي وإنما كنت أريد أن أحيا فكريا!).[11]

رضي الله عن مالكوم إكس ورحمه وتقبله في الشهداء.

 

[1] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص148.

[2] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص149.

[3] . السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص166.

[4] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص165.

[5] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص165.

[6] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص167.

[7] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص168.

[8] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص174.

[9] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص168.

[10] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص174.

[11] السيرة الذاتية – مالكوم إكس – دار بيسان (بيروت) – ترجمة ليلى أبو زيد ص173.