Spread the love

محروس شاب من الأقصر صاحب بشرة سمراء وقلب أبيض كأهل الأقصر الطيبين ..

وكانت البسمة لا تفارقه .. وكان أهل الأقصر يلقبونه بـ “محروس الخواجة ” لأنه كان بارعا في الإنجليزية ..

كان مع بساطة عمله يحبه جدا .. فما عمله ؟

يقف في كشك صغير بجوار أحد المتاحف بالأقصر .. يبيع فيه أشرطة للأغاني الأجنبية ..

يمر السائح به فيضع شريطا فيه الأغنيات التي يحبها السائح وتذكره ببلده فيشتري منه  ..

كما يفعل المصريون الغلابة الذين يكونون في الغربة ويسمعون أغنيات “الست ” تذكرهم بمصر والحنين إليها

ظل الأمر يمضي هكذا ..

حتى جاء يوم لا ينخلع من ذاكرة محروس أبدا ..

كان في عالمه الخاص ومملكته المتواضعة ” كشك محروس”

وأقبلت عليه  فتاة أجنبية يدها في يد حبيبها و التوتر على ملامحهما ..

فقالت له بلغتها .. أريد موسيقى هادئة تريح الأعصاب ..

وبدأ محروس يبدل بين الأشرطة أملا في الوصول إلى ذوقها الذي تريد من الأغاني الهادئة ..

لكن لم يكن يعجبها شيء ..

كرر وبدل والرفض كان موقفها دائما !!

غلبه عرقه الصعيدي وتضايق وخبط المسجل بيده ضيقا وغضبا من كثرة رفضه وتعبه في البحث عما يرضيها ..

كان غضبه مفتاحا سماويا ..

لم يدر أن يده ستأتي بالغلط على زر الراديو وكان الراديو مضبوطا على إذاعة القرآن الكريم التي يفتتح بها محروس يومه في “ساعة الاصطباحة”

خرج القرآن من الراديو وتحول الراديو عندها إلى قطعة من الجنة ..

صوت الشيخ المنشاوي يدخل في القلوب ويحدث فيها أثرا لا يوصف

الفتاة تغيرت ملامحها فجأة !!

السكون خيم على المكان ..

ذهب الغضب الذي كان في محروس ..

سقط التوتر الذي كان في ملامحها ..

قطع السكون صرخة الفتاة بلهجة فرحة وكأنها وجدت ضالتها المنشودة

هذا هو! هذا هو ما أريده ..

هذه هي الموسيقى التي أبحث عنها ..

محروس في غمرة الذهول والدهشة والصمت ..!!

قال لها بعد وقت كأنما أفاق وهو يهز رأسه ..

“دي مش موسيقى .. ده قرآن .. اللي انتي طالباه مش ده خالص”

قالت له .. لا يهم .. هذا ما أريده حالا أنا في حاجة إلى سماع هذا الكلام

سأدفع لك المبلغ الذي تطلبه مقابل الحصول على هذ الصوت الذي سمعته الآن

إحساس غريب ملأ جسد محروس بالبرودة والقشعريرة .. والخجل ..

هذه أول مرة يحدث معه هذا الموقف .. هو لا يملك غير حبه الفطري لدينه والغيرة عليه ..

فبدأ يقول لها دون علم ..

القرآن ده مينفعش تسمعيه وانتي مش مغطية شعرك ..

لم يكن كلامه صحيحا ..

لكن هكذا قال لها حتى إنه كان مترددا .. هو أنا ينفع أبيع لها شريط فيه القرآن وهي ..؟!

ولكن صدقها جعل رد فعلها غريبا ..

سحبت المفرش الذي كان على مكتب محروس  ووضعته على شعرها لتستر ما استطاعت ستره

ثم قالت له ..

ها أنا ذا غطيت شعري ..

تأثر محروس جدا وذهل أمام إصرارها ..!!

لكن قال لها بعفوية ..

برضو مش هينفع .. لأنك ممكن تسمعيه وأنتي فى وضع لا يليق مع القرآن

بلا تردد نزعت يدها من يد حبيبها .. وابتعدت قليلا عنه

ولسانها لا تفارقه عبارة واحدة ..

أحتاج هذا الكلام !!

لم يكن عند محروس شريط من أشرطة القرآن ..

طلب منها المرور عليه فى اليوم التالي

انصرفت الفتاة وفى عينها لمعة الاشتياق للقرآن الكريم رغم عدم فهمها له ..

لكلام الله سطوة عجيبة بالقلوب حتى لو لم تفهمه

أقبل الصباح وأقبلت باكرا ..

فوجدت محروس قد أحضر لها عدة أشرطة ورفض أخذ المال منها

غير أنه سألها ..

ما اسمك ؟ ومن أين أنت ؟

قالت ..  اسمي ماتيلدا من بريطانيا

فطلب منها طلبا وحيدا وهو أن تترك له الإيميل الخاص بها ..

وافقت ماتيلدا وتركت محروس ومعها ما كانت تحرص عليه ..

معها القرآن العظيم ..

لم يتوقف محروس عن التفكير فيما حدث وبدأ يتصل بكل  من يعتقد من أصحابه  أن له علاقة بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام

وجعل يجمع بعض الكتب ويرسلها إلى ماتيلدا ..

ظل على هذه الحال ثلاثة أشهر ..

كلما حصل كتابا أو مقالا أو رابطا نافعا أرسله فورا الى ماتيلدا ..

ولا رد يأتيه ..!

وفي يوم وجد رسالة فى بريده ..

أخيرا .. ياه ..

كانت منها ..

فتحها فإذا فيها سطر واحد ..

أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدًا رسول الله

هزه ذلك السطر كما لم يهزه شيء في حياته ..

هزة عنيفة كان يحملها هذا السطر الصغير الذي وللعجب يعرفه جيدا ويعرف كلماته ويعرف معناه

لكنه كأنه لأول مرة يتعرف إلى هذه العبارة المقدسة

كان جلال العبارة وروعة المفاجأة وصدق الفتاة ..كل هذه كانت عوامل أحدثت زلزالا شديدا في نفس محروس ..

غيره من شخص هدفه محدود بالكشك الذي يبيع فيه إلى شخص آخر تماما صاحب رسالة

لقد كان انفعال”ماتيلدا” صفعة لقلبه الذي يحيا في بلد مسلم ويسمع كلام الله تعالى .. كل يوم

لم يكن يجد مثل هذا الأثر الذي أحدثته دقيقة أو أقل في قلب “ماتيلدا”

وما زال وهو المسلم يدين بالفضل لتلك الفتاة التي جاءته قدرا لتغير حياته كلها .

*احداث هذه القصة واقعية