Spread the love

 تعرف ذلك الصديق الذي يصفه كل من حولك بالثقافة وعمق الفكر ، ذلك الصديق الذي يحرص على قراءة كتاب بينما هو يتلذذ بمذاق القهوة الساخنة ، وربما أدار بعضا من الموسيقى الهادئة أو الكلاسيكية ليتم له الاستمتاع بساعته اليومية من القراءة ، التي ما تلبث أن تنقضي حتى يسارع إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليضع صورة قلب بجانبها الجملة المشهورة : (كتاب وفنجان قهوة) .

تجد ذلك الصديق يحدثك بشغف حينما تلتقيان عن حبه للقراءة وللاطلاع ، وعن مكتبته التي تضم الكثير من الروايات والكتب لعدد من الكتاب الشباب المشهورين الذين أضحوا نجوما بين عشية وضحاها .

يحدثك بإعجاب عن ذلك الكاتب الذي طوع اللغة لتخدم فكرته ، وعن الكاتب الآخر الذي استطاع بسلاسة أن يتجاوز حواجز اللغة فيضع لفظاً جديداً لم يسبقه إليه أحد ، أو ذلك الكاتب الجريء الذي أقحم العامية إقحاما في مقالاته ويستمر في تزيين ما يقرأه لك حتى تذهب إليه طوعا؛ لترجع بخفي حنين .

ستجد أن ما يهلل له الناس ويرفعه، ويعدونه ثقافة هو وهم وزيف يؤدي إلى تدمير الفكر ونشر الجهل لا العلم الذي يظنون

ستكتشف أن ذلك الكاتب الذي طوع اللغة لتخدم فكرته إنما شوهها وصنع منها مسخاً لا يعرفه أهل اللغة ، وستجد الكاتب الآخر الذي تجاوز حواجز اللغة لم يصنع إلا تدمير السور الذي وضعه علماء اللغة حولها ليمنعوا الغريب عنها من الاعتداء على حرمتها ، وأن ذلك الذي أقحم العامية في مقالاته لم يصنع ذلك من باب الثورة الفكرية ، وإنما لفقر قاموسه اللغوي وعجزه عن استحضار ما يناسب ما يريد التعبير عنه من كلام العرب .

ستجد أن ما يهلل له الناس ويرفعه، ويعدونه ثقافة هو وهم وزيف يؤدي إلى تدمير الفكر ونشر الجهل لا العلم الذي يظنون.
ولأجل ذلك ليس بعجب أن تجد كتاباً من أكثر الكتب مبيعاً في معرض الكتاب ملأه صاحبه بالسطور الفارغة التي أراد أن يرمز بها إلى عظم حب محبوبته في قلبه مما أنساه الكلام ، غير أن ذلك الرمز خرج في صورة حقيقة أنه لا يعرف من اللغة ما يعبر به عن مكنون صدره .

استعجم القرآن على الألسنة والأفئدة ، وصار القرآن الذي أنزل بلسان عربي مبين صعباً على أفهام من تنطق ألسنتهم بحروف عربية، وما ذاك إلا نتاج هذه الثقافة الزائفة التي عرفت سبيلها إلى الفكر العربي منذ أوائل القرن العشرين ، حيث استبدل الكتاب حفظ القرآن والحديث والشعر والنثر والأمثال والخطب والمراسلات ، بحفظ المفردات والتراكيب الشائعة في اللغات الغربية ، ونقلوها إلى العربية وأدخلوها في ترجماتهم الركيكة وقذفوا بها في أنحاء بيانهم المعتل ، الذي شاع بين الناس لسهولته ويسره .

ولقد تتبع أحد الباحثين في أوائل ذلك القرن الحصيلة اللغوية لكتاب عصره –وهم عمالقة مقارنة بأقزام الفكر المعاصرين- فوجدها هزيلة لا تتجاوز العشرة آلاف كلمة ، وقد كان الكُتَّاب من قبل يصاحبون المعاجم غدوة ورواحا يدمنون النظر فيها ليزينوا مقالاتهم بلفظ عربي رشيق أخاذ ذي رونق .

ومما جاء عن الأستاذ أبي فهر محمود شاكر أنه قرأ معجم لسان العرب مرتين على شيخه ولم يكمل الثالثة ، وزاره أحد تلامذته فوجد في كتابه علامات ، فلما سأله عنها أخبره أنها مواطن حفظه من لسان العرب ، وهو كتاب في عشرين مجلدا .

ولم يزل أمر التيسير على الناس يغري بالضلالة طائفة الكتاب المصابين بالعجمة حتى ضيقوا على الناس في أمر فكرهم بما جاءوا به من ألفاظ وتراكيب بعيدة عن الفصاحة والوضوح الذي يسري في تدفق اللغة على العقل العربيى ، فاحتاج الناس بعدها إلى مجهودات ضخمة لإعادتهم إلى تذوق البيان الذي صاروا غريبين عنه .

وإن في العربية لرياضاً رحبة لا يستوحش فيها طالب ، لو يعلمون ! نعم ، نعرف أن الناس يعشقون من الكلام ما كان سهلاً ، وينفرون من الغريب الوحشي ، وهذا موجود في كل العصور. غير أن عصور المتأخرين نفرت الناس فيها من العربي الأصيل ، وركنت إلى الدخيل ، والساقط ، والمتهافت ، وعجيب التراكيب ، وما لا يستقيم به لسان ؛ فصنعوا لغة جديدة غير العربية .


وليتهم وقفوا عند ذلك ، لكنهم تعدوه إلى محاكمة الآداب والتراث إلى تلك اللغة الشوهاء التي صنعتها عقول غريبة عن كلام العرب ؛ فغمطوا حق المُجيد ، وظلموا المبدع ، ورفعوا الضال الذي طغى في ضلاله ، واتبعوه ؛ حتى خرجوا من نور العربية إلى ظلمات العجمة ، فخبث لسانهم ، وخبث طبعهم ، وخبث عقلهم ، وخبث أدبهم. وصاروا مسخاً لا هوية له، لا يقبله ماضيه العربي ، ومن لم يقبله ماضيه فلا حاضر له ولا مستقبل .

إن الكاتب الذي يُلقي بالكلام لا يأبه من أين جاء به وإلى أين يصير وإلام يؤدي كلامه ؛ لأعظم جرماً من معتد بسلاحه على الأرض ، فإن الفكر هو الذي يحيي الأرض وينقلها من البداوة إلى الحضارة.

والقاريء الذي يطلب الكتاب الخفيف لمجرد اللذة مشارك في هذه الجريمة بإهماله لصاحب الفكر الحر والقلم الأصيل ورفعه لذلك الساقط الذي يقدم للناس هباء من القول.

فالله الله في لغة أنزل بها محكم آياته !