Spread the love

في مواضعَ كثيرةٍ في كتاب الله تعالى؛ ذَكَرَ الله أن البنين نعمةٌ من عنده سبحانه، بل مَنَّ على الأمم الهالكة بذِكْر تلك النعمة؛ فقال تعالى على لسان نَبِيِّه هود -عليه السلام- عندما وَعَظَ قومه (عاد): {وَاتّقُوا الذي أَمَدّكُم بِمَا تَعْلَمُون (132) أَمَدّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِين (133)}؛ وغيرها الكثير من الآيات التي تدل على أن الإنجاب -عمومًا- نعمةٌ ورزقٌ منه سبحانه؛ وهنا يأتي السؤال البَدَهِيّ؛ وهو: (لماذا نجد كثيرًا من الناس قد أفسد الإنجابُ حياتَهم، مع أنه نعمةٌ من الله؟!)؛ والإجابة تتمثل في سببين:

السبب الأول: (الطَّمَع)!

فالإنجاب -كما أقْرَرْنا جميعًا- نعمةٌ من الله تعالى، ولكن هذه النعمة لها قانون إلهي؛ شأنُها شأنُ أي نعمة في الدنيا، وهذا القانون هو أن لكل نعمة ضريبة، وهذه سُنَّة الله تعالى بين عِباده؛ فأيّ نعمة يريدها الإنسان لا بد أن يدفع ضريبتها كاملةً، قد يدفعها قبل الحصول عليها أو بعده، ولكن المهم أنه سيدفعها كاملةً -رَغمًا عن أنْفِه-، والإنسان بطبيعته طَمَّاع، يريد أن يتمتع بالنِّعَم كلها بلا ضريبة أو بأقل ضريبة، وهذه الصفة تكون سببَ هلاكه في أحيان كثيرة؛ كما تقول الحِكمة العربية الشهيرة: (مَصَارِعُ الرِّجَال تَحْتَ بُرُوقِ الطَّمَع)؛ فهكذا يظل الإنسان يجري طمَّاعًا وراء بريق النعمة حتى يَهْلِك! فكون الشيء نعمةً من الله تعالى؛ هذا لا يعني أننا ننهل منه بلا تفكير؛ فالمال -مثلاً- نعمة من الله تعالى، ولكن الإنسان ينهل من تلك النعمة بالمعدل الذي لا يُفْسِد حياتَه، فنحن نرى كثيرًا من الناس يسعون وراء المال وهم لا يشعرون أنهم يدفعون ضريبةً ضخمةً ستُفْسِد عليهم حياتهم الزوجية، أو علاقاتهم الاجتماعية، أو صحتهم، أو دينهم؛ فلا بد للإنسان أن يعطي كل شيء قدْره المناسب؛ لكي تستقيم حياته، ويتمتع بنِعَم الله بشكل متوازن، فلا يطغَى شيء على آخر. وللأسف كثير من الرجال يظل ينجب وينجب وينجب؛ فإما تجده ينجب ذكورًا وإناثًا بلا رؤية وبلا هدف، فهو ينجب من أجل أن يُقال فلانٌ أنجب، أو ليتفاخر بذريته أمام الناس، وإما تجده أنجب إناثًا فقط ويظل ينجب حتى يُرزق بالذكور -أو العكس-؛ فهو يتعامل مع الإنجاب كأنه يشتري بعض الأرانب لمنزله؛ وفي النهاية يجد نصيبه من زوجته معدومًا؛ فيجد نفسه لا يستطيع الجلوس معها وَحْدها، ولا يستطيع الخروج معها وحدَها للتنزّه، كما كان يفعل معها في بداية زواجهما أو في فترة العَقْد، ويجدها قد أَهْمَلَت كثيرًا في الاهتمام به ورعايته والقيام بالمهام المنزلية؛ فيُلقي باللوم عليها، ويتهمها بالتقصير والاستهتار، في حين أنها لا تنام في يومها سوى ساعتين أو ثلاث؛ بسبب انشغالها الشديد برعاية أبنائها. والعكس صحيح مع المرأة التي تطلب الإنجاب كثيرًا؛ ثم بعد ذلك تلقي باللوم على زوجها؛ لأن نصيبها منه أصبح معدومًا أيضًا؛ لأنه يغيب فترة طويلة عن البيت بسبب طلبه الرزق؛ من أجل الإنفاق على بيته وسد حاجته التي تزداد يومًا بعد يوم. أو تجد الزوجين -أو أحدهما- متسرعًا في الإنجاب بعد الزواج مباشرةً، وعندما يرزقه الله البنين؛ يندهش أن حياته الزوجية قد انقلبت رأسًا على عَقِب، وأن نصيبه من زوجته أصبح معدومًا؛ بسبب انشغالها مع رضيعها وسهرها على راحته، واضطراب نومها بسبب أنه يُوقِظها من منامها في أي لحظة من أجل الرضاعة أو تنظيفه من فضلاته … إلخ؛ فيجد الزوجُ نَفْسَه مُهَمَّشًا في بيته، ويبدأ تعاملُه مع زوجته يختلف، ويُعَنّفها من أتفه الأسباب، ويحدّثها بأسلوب سخيف، مع أن المسكينة لا شيء في وُسعها لم تقدمْه، وإنما الأمر كله أن رضيعها له حق كبير وهي تؤديه، ويزداد الطِّين بَلَّةً إذا كانت هذه الزوجة تعمل! وللأسف لا يفكر هذا الرجل لحظةً واحدةً أنه كان يدعو الله تعالى في كل صلاة أنْ يرزقه بالبنين، وعندما رزقه؛ تأفّف من الضريبة، وهذا دليل على طَمَعه؛ لأنه يريد أن يتمتع بنعمة البنين وفي الوقت نفسه يشعر باهتمام زوجته الكامل، مع أن هذا الزوج (الطمَّاع) كان في إمكانه أن يتشاور مع زوجته في أن يؤخرَا الإنجاب لمدة معينة؛ بحيث يستطيعان الاستمتاع ببهجة الشهور الأولى من الزواج؛ حيث الحرية في الحركة والسفر والتنقل والتنزه وغيرها من الأمور التي يحتاجها أي زوجين، ولكن للأسف ما يحدث عكس ذلك تمامًا، ويكون أحد الزوجين -أو كلاهما- طمَّاعًا؛ ثم يلقي باللوم على الطرف الآخر، وكأنّ الطرف الآخر إنسانًا آليًّا أو خادمًا مُسْتأجَرًا. ثم بعد كل ذلك؛ يجد الزوجان أنفسهما عاجزَيْن عن القيام بأعباء الرعاية والتربية؛ مما يئول إلى الانفلات الأخلاقي لدى أبنائهما؛ ثم تبدأ الحياة الزوجية تفقد بهجتها لدى الطرفين، وتتحول إلى حياة روتينية كلاسيكية بَحتة، يُكمل كل طرف فيها من أجل الأبناء فقط، ولكنه فاقد روح الزواج تمامًا!

السبب الثاني: (الجهل)!

الجهل بدين الله تعالى، وأن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الإنجاب واجب على الإنسان، وأن الذي لا يُنجب عليه إثم عظيم؛ لأن الله تعالى قال: {المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدنيا …}، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “تزوّجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكم الأمم”؛ وغيرها من النصوص التي لا تَحْمِل أبدًا معنى وجوب الإنجاب، وإنما كل النصوص الواردة في هذا الشأن؛ هي من باب الترغيب وليس الوجوب، فلا مانع إطلاقًا أن يؤخر الزوجان الإنجاب من أجل الاستمتاع ببهجة الشهور الأولى من الزواج، أو يؤخرانِه من أجل ظروف تعليمية لدى الزوجة؛ بحيث يصعب عليها أن تكون حاملاً وتذاكر وتسهر وتسافر وتدخل الامتحانات، ولا مانع أيضًا أن يحدّدَا عدد أطفالٍ مُعَيَّن؛ من أجل توفير الطاقة الصحية والنفسية والوقتية لأعباء التربية والرعاية، ولا سيما أن هذا الزمن أصبحت فيه مُتَطَلَّبَاتٌ تختلف عن الأزمنة الأخرى؛ لأن نَمَط الحياة أو الـ(Lifestyle) اختلف (180) درجة عن الأزمنة والأجيال السابقة، وهذه من ضرورات العصر التي لا بد أن يضعها الزوجان في عين الاعتبار، ولا بد أن يتفقَا عليها ابتداءً من فترة الخطوبة؛ لكي تستقيم حياتهما سويًّا، ولا تحدث بينهما بعد ذلك مُنَغِّصات تُفْسِد حياتهما الزوجية. وأيضًا لا بد للزوج أن يراعي القدرة الصحية لدى زوجته، وألا يحمّلها فوق طاقتها؛ فكَمْ سمعنا عن أزواج حمّلوا زوجاتهم فوق طاقتهِنّ؛ وكانت النتيجة إما أنها فارقت الحياة! وإما أنها استأصلت الرحم! وإنما أنها ضَعُفَت ضعفًا شديدًا جعلها عاجزةً عن رعاية وتربية أبنائها!

فخلاصة كل ما سبق؛ أنه يجب على كل زوجين أن يتفقَا مُبَكرًا على هذا الأمر؛ لكي تستقيم حياتهما، ولكي يستطيعَا القيام بتربية ورعاية أبنائهما على أكمل وَجْه؛ لأنه في النهاية “كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مسئولٌ عن رعيته”، فالله تعالى لن يسألك يوم القيامة لماذا أنجبتَ طفلين ولم تنجب أربعة، وإنما سيسألك ماذا قدمتَ لهم؟ وماذا فعلتَ من أجلهم؟ ولماذا قصرتَ في حقهم؟ ولماذا لم تنتبه لهم؟ ولماذا شتمتَ ابنك هذا؟ ولماذا ضربتَ هذا حتى كرهك وانحرف وأصبح إنسانًا فاسدًا مُفْسِدًا؟

ولا بد أن تعرف أنه لا يوجد نَص على وجوب الإنجاب، وإنما النصوص كلها على وجوب حُسن التربية والرعاية. ولا بد أن نراعي ونحترم طاقات الناس في الإنجاب؛ لأن طاقاتهم مختلفة؛ فمنهم مَن لا يستطيع سوى تربية ورعاية طفلين، ومنهم مَن يستطيع تربية ورعاية ستين طفلاً؛ فاحترموا طاقات الناس؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وُسعها، فلا تتشددوا في دين الله تعالى، ولا تحمّلوا أنفسكم ما لا تطيقون، ولا تقولوا لِمَا تَصِفُ ألسنتُكم الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ؛ لكيلا تفسدوا حياتكم!