Spread the love

في  أحد أيام شهر رجب وصلت رسالة إلى أحد الدعاة على الموقع الخاص به على الإنترنت

لكن لضيق الوقت وكثرة الرسائل .. لم يكن يبصر رسائله الكثيرة ..

في ذلك اليوم كان هذا الداعية متوجها من لبنان إلى لندن ..

قرر تأجيل قراءة الرسائل حتى عودته من السفر ..

وضع على المكتب كل الرسائل التي طبعها فوقعت الرسائل كلها دون قصد وتداخلت الأوراق ..

ووقعت عينه على ورقة مكتوب فيها ..

اسمي سارة .. فتاة لبنانية

هاجر أبي  وأمي من لبنان إلى نيوزيلاندا منذ كنت في العاشرة من عمري

ومن يومها  انقطعت كل علاقتي بالإسلام والقرآن وبالله تعالى ..!

لم أر شكل المصحف منذ سافرت من لبنان !

ليس لي علاقة بالإسلام سوى أني مسلمة ككثير من المسلمين في أوراق الهوية

لم يكن الدين شيئا مهما عند أبي وأمي للأسف

سافرنا  إلى نيوزيلندا ..

عشنا هناك سنين طويلة ولم أرجع إلى لبنان أو الشرق الأوسط لأن أجدادي ماتوا ولم يعد هنالك سبب للزيارة أصلا

كانت الحياة صعبة لأن أبوي كانا قاسيين جدا ..

انفصل أبي عن أمي وتزوجت أمي بعده رجلا آخر .. و أبي تزوج أخرى ..

واستقل كل واحد منهما بحياته ..

وأنا ..؟!

لا وجود لي !

شعرت بالغربة بنسبة 100% ..

الأشد من ذلك .. أن أبي وجد عملا خارج نيوزيلندا وأمي كذلك جاءها عمل مع زوجها ..

وبقيت وحدي في الغربة !

وحدي في مجتمع غربي تماما ..!

فانقلبت إلى فتاة غربية ..

لي “boy frind ” يعيش معي نفس البيت من سنين و علاقتنا قوية جدا

اضطررت للعمل في بار بعد الظهر حتى أنفق على دراستي وسكني ونفسي ..

أستطيع القول .. إنه لا ذنب تقريبا في الدنيا لم أفعله

وهبني الله جمالا ..

فكان ذلك باب فتنة أخرى

دخلت مسابقة ملكة جمال نيوزيلاندا وفى المقاطعة التي أنا فيها فزت بالمركز الأول وصرت ملكة جمال المقاطعة

وفى خلال الشهرين الآتيين سأدخل مسابقة ملكة جمال نيويزلاندا .. ولو ربحت سَأُصَعَّد إلى مسابقة ملكة جمال العالم عن نيوزيلاندا

انقلبت حياتي طبعا وصارت أكثر صخبا وضجيجا .. صرت موديل إعلانات وعلى صفحات المجلات ..

لقد انتهت هكذا كل علاقتي بالإسلام

إلى أن جاء يوم كنت أزور فيه عائلة لبنانية في نيوزيلندا ..

كانوا يفتحون التلفاز على قنوات الشرق الأوسط ..

كجانب من الارتباط الروحي يذكرهم بأصولهم ..

كان في التلفاز داعية يتحدث عن شيء نسيته ..

فقدته ذاكرتي ..

سقط مني في زحام الكاميرات والذنوب والكبائر

يتحدث عن الدين .. وعن العفة

أحسست أني عارية وأني لست فتاة محترمة ..

تذكرت أن هنالك في أعماقي علاقة منسية مع الله !!

أحسست أن زيارتي لهؤلاء الناس كانت زيارة لسارة الحقيقية ..

كانت زيارة لذاتي ..

لنفسي ..

أحسست أن الله حملني إلى هؤلاء الناس الذين زرتهم لأعيش جوا عائليا افتقدته ..

فأنا منذ خمس سنين لم أر أبي أو أمي ..

وانا أشاهد الحلقة قرأت اسم الموقع وبعثت لك  هذه الرسالة .. أنت كنت المتحدث ..

وأريد أن أسألك بعد أن حكيت لك كل شيء ..

ممكن ربنا يقبلني ولا لأ ؟

ممكن ربنا يسامحني ؟

كانت هذه رسالتها ..

فرد عليها سريعًا .. طبعا يقبلك وطبعا يسامحك وطبعا يغفر لك ويعفو عنك ربنا  هو الذي يغفر ويسامح ويعفو ويقبل التوبة

طلب منها سماع درس التوبة من موقعه وأي درس آخر تريد سماعه اسمعي على قدر وسعك وربنا أكيد سيقبلك بإذن الله

بعد يومين .. يقول الداعية ..

وجدت رسالة من سارة تقول .. أنا  تركت البار لأني لا أريد فعل الحرام ..

ثم بعد يومين أرسلت ثانيا ..

كان هناك ذنب كبير أفعله .. أنا كنت أشرب الخمر.. لقد توقفت

بعد يومين أرسلت ثالثا تقول بعفوية ..

أنا سمعت درس التوبة وحاسه إني عاوزه أرجع لربنا وأتوب

بس عندي مشكلة .. أنا ما أقدرش أسيب البوى فرند بتاعي أبدًا .. لكن هحاول ..

بعد يومين .. بعثت تقول .. أنا سبت البوي فرند بتاعي ..

وهكذا كل يومين يكون منها جديد ..!

كانت تهرول إلى الله كأنها تسابق الزمن ..

طلب منها ذلك الداعية  أن تتصل به هو وزوجته ، تكلموا معها بالعربي وكان كلامها عربيا مكسرا ..

سألها ..كم سنك؟

قالت .. 21 سنة

بعد يومين .. بعثت رسالة غريبة تقول ..

ممكن تبعتوا لي الفاتحة عشان أعرف اقرأها .. أنا معنديش مصحف ..!

بعث لها الفاتحة

بعد يومين .. بعثت سارة تقول ..

أنا نفسي أتعلم  الصلاة .. ممكن تعلموني ؟

فبدأ الداعية هو وزوجته يعلمانها كيف تصلي ..

ودلها الداعية على موقع في الإنترنت تستطيع من خلاله تعلم الصلاة

بعد يومين .. سارة أرسلت .. أنا بدأت أصلي ..

هذا أسعد يوم في حياتي ..

لقد وجدت الشيء الذي أبحث عنه منذ عشر سنين ..

“أنا لقيت ربنا”

بعد يومين .. بعثت تقول .. ممكن تبعتولي شرايط قرآن عشان أسمعها أنا معنديش شرايط قرآن فبعث لها روابط ومواقع ..

بعد ثلاثة أيام لم تتصل ..

ثم اتصلت وقالت .. لقد حفظت سورة النبأ

بعدها بيومين .. أنا حفظت سورة الرحمن

بعدها بيومين .. أنا نفسي أتعلم سورة يوسف

بعدها بيومين ..أنا بقيت بصلي قيام الليل

أنا بقيت بستنى الليل عشان أصلي بسورة الرحمن

أنا بفضل أسمع القرآن كتير لغاية ما أحفظ

أنا متأثرة بالقرآن جدا وحاسة بكل آية أسمعها

بعد يومين ..

أنا عاوزه اتحجب ..

وكان رأي الداعية أن لا تستعجل لأنه كان يرى كثيرا من البنات يتحمسن للحجاب ثم يخلعنه !

أما رأي زوجته فكان في أن تلبسه طالما هي رغبتها وهي تريد ذلك

لكن قالوا لها .. لا تتعجلي

فردت سارة بكلمة غريبة .. مش قادرة أستنى ..

أنا فى حاجة جوايا بتناديني لربنا ..

وتحجبت سارة التي كانت تعد نفسها لتشارك في مسابقة ملكة جمال العالم ..!

دخلت إلى الله بشوق .. بلهفة .. بحب جارف للطهر والنور والحياة ..

فبعثت إليهما تقول .. أريد أن أعمل شيئا للإسلام..

وأنا لا أعرف مسلمين غيركما ..  فهل من الممكن أن أشارككم شيئا للإسلام  ؟

فرحوا ..

ثم تبع ذلك .. يوم .. فاثنان .. فثلاثة .. فأربعة .. فأسبوع ..

انقطعت أخبار سارة ولم تعد تتصل ..

ثم اتصلت وأخبرتهم أنها كانت مريضة جدا ..

وأفصحت عن سر مرضها أنها أجرت عملية تجميل معينة لتستطيع العجلة في المشاركة بمسابقات الجمال وكان الأطباء حذروها من مضاعفات العملية .. لكنها أصرت ..

تعبت جدا وذهبت ووجدت أن تشخيصي يؤكد إصابتي بالسرطان ..!

وأن بقائي سيكون أياما !!

وأن الحل في تدخل جراحي ونسبة النجاح قليلة جدا ..

وربما لو لم أصنع العملية أصاب بالشلل ..

بدأت تفكر هل تقبل بالعملية الجراحية أم تلملم ما تبقى منها وترجع إلى لبنان ؟؟

يتردد في خاطرها .. أرجع  إلى لبنان وأعيش وسط الناس وأعمل شيئا للإسلام ..أم أدخل العملية لأكون أكثر قوة وطاقة وعافية

قررت دخول غرفة العمليات ..

وقبل دخولها إلى العمليات كان يشغلها سؤال:

ممكن ربنا يغفر لي 21 سنة بـ 21 يوم بس ؟

كان هذا ما يشغلها ويشغلها أنها لم تصنع شيئا للإسلام ..

وكانت تردد .. أنا مش عارفة هاعيش ولا لأ ..

أنا ليس عندي غير بضعة أشرطة أرسلتموها لي ..

أنا سأهديها إلى صديقة لي وأرجوها في الحفاظ عليها فهي غالية علي جدا وهذا هو ثوابي

سأجعلها لا تعطي الشريط لأحد  حتى تشترط عليه أن يسمعه

وبجهد قالت ..

“أنا مش عاوزه أفرط فى الحاجات القليلة اللي بقيا لي آخد بيها ثواب”

دخلت سارة المستشفى ..

وأجريت لها العملية يوم 26 سبتمبر الموافق الجمعة أول يوم فى شعبان

توفيت سارة التي كانت تستشعر ربما أن أيامها معدودة .. فأقبلت إلى ربها تهرول وتسابق الزمن

رحمها الله ..

صلوا عليها  يوم الجمعة صلاة الجنازة وكان هذا من رحمة الله بها لأن المساجد كان نادرا ما يتجمع فيها أعداد كبيرة من المسلمين إلا في يوم الجمعة

في ذلك اليوم ..صنع لسارة خمس عمرات عنها ..

رحمة الله على سارة .. صاحبة العمر القصير والقلب الكبير .