Spread the love

السيدات والسادة ، أهلا بكم على متن المركبة الفضائية دراجون ٢ والتي يتم إطلاقها عن طريق الصاروخ فالكون ٩ والتابعين لشركة سبايس إكس في أول رحلة متوجهة إلى المستعمرة الجديدة على كوكب المريخ.

نحيطكم علما بأن الجاذبية على كوكب المريخ تقل عن مثيلتها على كوكب الأرض بمقدار ٦٢٪ مما يعني أن الشخص الذي يزن ١٠٠ كيلوجرامات على كوكب الأرض سوف يزن حوالي ٣٨ كيلوجراماً.

أحد المنتقلين للمريخ محدِّثاً نفسه: مهلاً لكني لم أدرس تأثير الجاذبية من عدمها عليّ بشكلٍ كافٍ، فهل سيكون العيش على كوكب المريخ مؤثراً على الحالة النفسية والوظائفية للجسم؟!!

السيناريو السابق ليس خيالاً بل أصبح حقيقة على وشك التحقق وأتصور أن ذلك سوف يحدث في خلال العشر أو العشرين سنة القادمة.
فهل حدثتك نفسك يوما كيف تكون الأرض والعيش على سطح الكوكب من دون جاذبية؟! وإن كنت من هؤلاء الحالمين بترك كوكب الأرض بما عليه من صراعات، وحيث تبقى الجاذبية أحد أكبر نعم الله علينا الأرضيين.

أثر الجاذبية على كوكب الأرض

مع تنامي مبادرات استعمار كوكب المريخ، وأنه أقرب الكواكب التي يمكن أن تستقبلنا، تبرز مناقشات العلماء ودراساتهم وأبحاثهم حول الجاذبية وتأثير انعدامها على الإنسان. ومن خلال تتبع هذه الدراسات يتضح لنا أهمية آثار رحمة الله بخلق الجاذبية في كوكب الأرض.
فلولا الجاذبية لما بقي ماء على سطح الأرض وما احتفظ الكوكب بغلافه الجوي مما أهله للاحتفاظ بغاز الأوكسجين وغازات أخرى مهمة لاستمرار الحياة على كوكب الأرض. وبدون الجاذبية ما نزل القطر، وكيف ينزل وليس هناك جاذبية.

فالجاذبية تتناسب عكسياً في علاقة الأجسام المتجاذبة حيث تنجذب الكتل الأصغر للكتل الأكبر مثل الكواكب تبقى في مداراتها حول الشمس بفعل جاذبية الشمس، وكذلك تتناسب تناسباً طردياً في علاقات المسافات بين الأجسام بحيث أنه كلما بعدت الكواكب عن الشمس كلما قل تأثير جاذبية الأخيرة على الكواكب.

لولا أن خلق الله الجاذبية لما بقيت الأرض في مدارها حول الشمس ولما حافظت على المسافة بينها وبين الشمس ولن تكون مؤهلة لحياة الإنسان.

ولولا الجاذبية لما بقي القمر في مداره وما كان هناك حركات المد والجذر البحري. فالقمر يتأثر بجاذبيتي الأرض والشمس معاً ولكنه يبقى في مدار الأرض لقربه من كوكب الأرض وكذلك لصغر كتلته مقارنة بكتلة الأرض مما يعظم من قدرة جاذبية الأرض على الاحتفاظ بالقمر في مداره..

أثر الجاذبية على الإنسان

أما عن تأثير الجاذبية على الإنسان فالجاذبية ليست مجرد قوة تحافظ على الإنسان ملتصقاً بالأرض، بل تعمل كإشارات للجسم في كيفية حركاته وردود الأفعال وبالتالي الإشارات العصبية التي تصل للأطراف. فبالجاذبية تصل الإشارات الصبية للعضلات والعظام في مقدار القوة التي يجب أن يكونوا عليها لكي يتأقلم الجسد على الحياة على كوكب الأرض. فبدون الجاذبية تضمر العضلات بشكل سريع لأن الجسد سيتعامل مع العضلات على أنه لا يحتاج إليها لأن العضلات لا تقاوم أي قوة، وتفقد العضلات ما مقداره ٥٪ تقريباً من كتلتها أسبوعياً في حالة انعدام الجاذبية.

أما عن الدم والدورة الدموية فهناك احتياج عظيم للجاذبية لتساعد على ضبط ضغط الدم بحسب كل عضو، حيث أن المخ يصل فيه ضغط الدم في الحالة الطبيعية على الأرض بين 60 الى 80 ملّيم زئبق، ويصل في القدم إلى 200 ملّيمتر زئبق، أما في الفضاء فيتساوى ضغط الدم في جميع أنحاء الجسم عند حوالي 100 ملم زئبق وذلك لانعدام الجاذبية. ثم يبدأ الجسد في ارسال إشارات بأن الدم زائد في بعض أنحاء الجسد ثم يبدأ الجسد في التخلص من بعض الدم مما يجعل رواد الفضاء عرضة للإرهاق الشديد عند العودة للأرض.

كذلك العظام تتضاءل كما تتضاءل العضلات لأن الكالسيوم يحتاج للجاذبية ليثبت في العظام ولا يتحلل ولكن استعادة كتلة العظام المفقودة تحتاج الى أوقات أطول قد تصل إلى سنوات ومن الممكن ألا يتم استعادتها. لذلك قام العلماء بتطوير جهاز يحاكي الجاذبية في الفضاء عن طريق الضغط السلبي على النصف السفلي من الجسد وهو عبارة عن غرفة يدخلها النصف الأسفل من الجسد ثم يتم سحب الهواء من الجهة الأخرى مما يحاكي الجاذبية.

فبالإضافة للتأثيرات الفيزيائية السابقة يبقى هناك جانب قد يفوق تأثيره ما ذكرته سابقاً، فإن السفر إلى المريخ يستغر ستة أشهر بعكس محطة الفضاء الدولية التي يستغرق الوصول إليها حوالي الثلاثة أيام، فإنه من السهل العودة إلى الأهل على كوكب الأرض إذا ما أصيب الشخص بوحشة إلى أحبته على الأرض أما المريخ فالذهاب والعودة فقط يستغرقان عاما كاملاً. بلا توقف فبالإضافة لبعد المسافات فالتغيرات الجسدية تؤثر على الحالة النفسية للشخص في الفضاء. لمشاهدة كيف يحس الإنسان في الفضاء يرجى مشاهدة هذه الحلقة من برنامج فسيروا للقارئ فهد الكندري  .

هذا المقال محاولة ضئيلة لوضح أثر نعمة الله علينا بتهيئة كوكب الأرض بنعمة الجاذبية فقط؛ لنحقق معا نعمة الشكر في أنفسنا فنستشعر آلاء الله التي لا تحصى، فالشكر أداة للتزود من نعم الله في الدنيا – قال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم ٧] – و أداة للنجاة من عذاب الله في الآخرة – قال سبحانه {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [ النساء ١٤٧] – و الصدقة مدعاة للحفاظ عليها.

ومع ذكر هذا الكم الضئيل من تأثيرات انعدام الجاذبية يتضح لنا أن اعتياد شيء ما يجعلك تفقد الإحساس بأهميته وأن التفكر في نعم الله لهو أعظم معين لك على الوصول إلى قدر كاف من العلم يجعلك تتيقن بأن هذه الحياة خلفها خالق عظيم هيّٙء لنا كل ما يجعل الحياة صالحة على هذا الكوكب الأزرق و لكننا بطبيعتنا الإنسانية الطامحة و الطامعة تجدنا نصر كوكبنا و نخل التوازن الطبيعي عن طريق زيادة اطلاق الملوثات و التي تخل بالتوازن البيئي و قد تودي بنا إلى نهاية الحياة على كوكبنا الغالي.

السيدات و السادة لقد هبطنا لتونا بحمد الله و سلامته على كوكب الارض نشكر لكم اختياركم شركة سبيس اكس لرحلة المريخ و نتمنى أن نراكم في رحلات أخرى قادمة.