Spread the love

في يوم ما فتح في شارعنا محل يبيع الفاكهة (فكهاني)، وبدأ يعرض بضاعته عن طريق فرشها على باب المحل وعلى جزء بسيط من الرصيف بشكل لا يؤثر على حركة المرور في الشارع، ومع مرور الأيام أخذ صاحب المحل يتوسع شيئًا فشيئًا؛ حتى استولى على نصف الرصيف، ثم بعدها بأسابيع تطور الأمر إلى أن استولى على الرصيف كله وجزء من الشارع لحساب عرض بضاعته! كل ذلك كان يحدث ولا أحد في شارعنا يشعر أو يلاحظ؛ نظرًا لتوسعه البطيء جدًّا.

جلستُ أفكر في توسع صاحب محل الفاكهة، وكيف كان ذلك التوسع يتطور بشكل غير ملحوظ حتى ابتلع الرصيف وجزءًا من الشارع لحسابه! هذا التغيُّر البطيء السارق يحدث في حياتنا -خاصةً في عالم الأفكار-، فتتحول الأفكار والمبادئ من النقيض إلى النقيض؛ لأنها تتغير ببطء، ولا نشعر بذلك التغير مثل توسع صاحب محل الفاكهة. 

ذلك التغيُّر البطيء في الأفكار هو السر في لغز التغيُّرات التي تطرأ على الكيانات الإسلامية في تغييرهم لأفكارهم ومبادئهم مع مرور الوقت؛ فالبداية أصولية راديكالية، ثم تنزلق بعدها في تنازلات صغيرة تتراكم ككرة الثلج؛ حتى تفقد البوصلة وتنحرف تمامًا عن وجهتها التي أُسِّسَت من أجلها! ذلك التغيُّر الذي نص عليه صاحب الظلال قائلاً: “الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها -ولو يسيرًا-، وفي إغفال طرف منها -ولو ضئيلاً-، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء”.

التعامل مع القوميات والوطنية والولاء للأوطان مثال واضح على التغيُّر البطيء؛ فجميع الكيانات الإسلامية في نشأتها غير مُؤمِنة بتلك المصطلحات والنظريات، بل نشأت بعد سقوط الخلافة وكان الهدف استعادتها مرة أخرى والتحرر من الحدود الوهمية التي حدها الغرب،

انحراف طفيف في أول الطريق لم ينضبط ولم يتم الرجوع إلى الخط المستقيم مرة أخرى؛ انتهى بانحراف كامل في آخر الطريق.

وعلى مر السنين ظلت الكيانات الإسلامية تكافح مصطلحات القومية والوطنية والولاء للحدود المتوهمة وتتعامل معها تعامل المضطر، ولكن مع مرور الوقت ودخول البرلمانات واندماج بعض الإسلاميين في حكومات بعض البلدان وقيام الثورات؛ تحول الأمر شيئًا فشيئًا إلى تصريحات بقدسية تلك القوميات وجواز الموت في سبيلها، وتفاسير -ملوية الأعناق- لأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حبه لمكة وكيف أن حب (أوطان سايكس بيكو) من الإيمان! تظل كرة الثلج تكبر شيئًا فشيئًا بتغيُّر بسيط؛ حتى يأتي الجيل الرابع أو الخامس من الكيان لا يعلم شيئًا عن تلك الأصول التي نشأ عليها التيار، بل تكون أصوله هي التحولات التي انتهى إليها الكيان! فالأمر  انحراف طفيف في أول الطريق لم ينضبط ولم يتم الرجوع إلى الخط المستقيم مرة أخرى؛ انتهى بانحراف كامل في آخر الطريق.

ولعل هذا التغيُّر البطيء هو ما كان يحدث للجنود الأسرى الأمريكان في الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي؛ حيث كان الجندي الأمريكي محاربا ضد الصينيين ثم يتنهي به المآل إلى عميل ومُنظّر للشيوعية ومحاسنها وإبرازها ضد الرأسمالية الأمريكية!! 

استعمل الصينيون مع الأسرى الأمريكان قاعدة (انتزع من الخصم تنازلاً صغيرًا مهما كان، ثم ابنِ عليه)؛ فكانوا يمررون الأسير بمراحل أربع:

  • تنازل صغير يبدو في غاية البساطة؛ مثل: (أمريكا ليست كاملة)، أو (لا توجد مشكلة بطالة في الدولة الشيوعية).
  • ثم يبنون على الاعتراف الأول خطوة ثانية؛ وهي: الطلب من الأسير كتابة قائمة بالمشكلات التي تعني أن أمريكا ليست كاملة، ثم يوقع باسمه على القائمة.
  • ثم يطلب من الأسير كتابة مقال يشرح فيه -بشكل توسعي- تلك النقاط التي كتبها في القائمة سابقًا، ثم مواجهته بأن ذلك اعترافه ومعتقده، ويقال له: أليس هذا ما تعتقده أنت بنفسك دون إجبار أحد؟ والآن لا نطالبك بأكثر من تصريحك بمعتقدك؛ فإن كنتَ واثقًا من معتقدك فأنت على استعداد أن تلتزم به، ألستَ كذلك؟ وهكذا تتتابع الخطوات.
  • بعدها تُقام منافسة بين الأسرى لكتابة أفضل مقال في المقارنة بين الرأسمالية الأمريكية والشيوعية، ويفوز مقال أحد المأسورين -المكتوب طواعيةً منه-، ثم بعد ذلك يتم بث المقال على موجات الراديو الموجهة للقوات الأمريكية وفي كل معسكر الاعتقال؛ بحيث يسمعها الأسير نفسه؛ فيجد الأسير نفسه قد قام بتصريحات تخدم العدو؛ فصار بطريقة أو بأخرى متعاونًا مع العدو.

ينتهي الأسير إلى تغيير نظرته إلى نفسه وحصول توافق وانسجام مع الفعل الذي تورط في القيام به طواعيةً، والتعريف الذي حاز عليه كمتعاون جديد مع العدو. بدأ الأمر بتغيُّر بطيء ليس له أي قيمة، ثم كبرت كرة الثلج واستدرجوه إلى خطوات أخرى غيرت من نفسيته؛ فانسجم معها!

وهذا الذي يحدث نصًّا مع بعض الكيانات الإسلامية التي انسلخت من أصولها وجذورها وصارت تتبنى -عن قناعة- نظريات تخالف أصولها وثوابتها؛ يبدأ الأمر معهم بفتوى جلب المصلحة، وهم متيقنون بأن دخولهم في الأمر المحظور مجرد إجراء مؤقت لحين تحصيل المصلحة؛ ثم تكبر كرة الثلج يومًا بعد يوم حتى يصبح المحظور أمرًا عاديًّا؛ ثم تنقلب الآية بالدفاع عن المحظور والتظاهر بأنك تتبناه وأنه من أصولك، حتى ينشأ عندك جيل فاقد البوصلة لا يعرف تلك الأصول التي نشأ عليها كيانه.

أَعلَم أن هناك مستجدات من الممكن أن تطرأ على الكيان يلزم التعامل معها بتقدير المصلحة والمفسدة، ولكن -في الوقت نفسه- يجب أن نتعامل مع المصلحة بشكل لا ينسف أصول الكيان الذي نشأ عليه، وأن تكون هناك مركزية للهدف الأصلي، وأن تتمحور كل المصالح حوله؛ بحيث تراوغ بالمفاسد والمصالح وترجع مرة أخرى إلى قواعدك وأصولك سالمًا غير فاقد البوصلة.